رئيس التحرير: محمد لطفى
  Cairo ICT
10 أيلول/سبتمبر 2012

نحو منظومة جديدة لشبكات الأمان الاجتماعى - د. أحمد درويش

طباعة البريد الإلكتروني

المجموعة الأم: مقالات

Ahmed-Darwish
تستقر قضية العدالة الاجتماعية فى قلب كل الأنظمة العالمية للدول بغض النظر عن الأيدلوجية السائدة سواء كان راسمالية متطرفة أو شيوعية اختفت. وهذه القضية وان لم تطفو على السطح بوضوح فى بعض الأنظمة مثل الرأسمالية الا أن ذلك لا يعنى عدم وجودها، فاعتى الانظمة الرأسمالية لا تخلو من وسيلة لرعاية بعض الفقراء أو ارضائهم لأن المجتمعات الغربية تعلم تماما أن هناك علاقة طردية وثيقة بين معدلات الفقر والبطالة ومعدلات الجريمة تم اثباتها فى الكثير من الدراسات العلمية من خلال التوافق الشديد الذى تم ملاحظته بين الخرائط الجغرافية لكلا المعاملين.

 

 

وإن كان الحل الأمثل لقضية العدالة الاجتماعية هو التأكد من أن كل شخص معه "سنارة" أو أكثر لصيد السمك لأن توزيع السمك هو حل وقتى ينتهى مفعوله بطبخه وأكله، الا أن هذا لا ينفى أنه يستحيل ذلك فى بعض الأحيان لعدم قدرة البعض على الصيد أساسا أو لعدم امكان الانتظار حتى يصطاد فقد يموت جوعا قبل ذلك، وبناء عليه يصبح لا مناص من توزيع الاسماك على البعض.

وبشكل أوضح فإن قضية العدالة الاجتماعية تتطلب شيئين أساسيين:

• تعليم وتدريب على مهارات تصلح للحصول على عمل مناسب يدر دخلا يوفر حياة كريمة

• اقتصاد قادر على توليد فرص عمل تساوى عدد القادرين والراغبين فى العمل

ومع تسليمنا بأن تحقيق ذلك بنسبة 100% مستحيل ولا حتى فى أكثر الدول تقدما ولا أقواها اقتصاديا فيصبح اللجوء الى مساعدة من لم يمكن تغطيتهم بفرص عمل أمر حتمى وواجب مجتمعى تفرضه قواعد الهدوء والوئام الاجتماعى ناهيك عن الاخلاقيات والقيم وبدون شك أمر تفرضه معظم الديانات.

هو ما أدى الى خلق ما يعرف بشبكات الأمان الاجتماعى والتى تستهدف تغطية هذه الفئة من المجتمع الى أن يتم شيئيا فشيئا رفعها الى المستوى الأعلى للخروج من إطار هذه التغطية.

ويقاس نجاح الاقتصاد وسياسات شبكات الأمان الاجتماعى بمدى تقلص الفئة التى تحتاج الى التغطية، تأكيدا ليس بسبب تقليص الموازنة ولكن بسبب ارتفاع مستوى الأسر المغطاة بما لا يدعو لاحتياجهم لهذه المساعدة نتيجة وجود شخص أو أكثر حاصل على عمل يدر دخلا جيدا يوفر حياة كريمة.

وتبدأ قصة شبكات الأمان الاجتماعى فى مصر من الأربعينيات أثناء الحرب العالمية الثانية حيث تعذر الحصول على بعض السلع فقامت الحكومة بتوزيع بطاقات لتنظيم الحصول عليها عرفت ببطاقات التموين. ومن المؤكد أن السلع لم تكن مختفية تماما خارج البطافات ولكن كان أسعارها أعلى كثيرا لمن يرغب فى الحصول على ما أكثر من نصيبه العادل المحدد بالبطاقة. ثم بعد انتهاء الحرب وانحسار الأزمة وجدت الحكومة أنه لا بأس من الابقاء على هذه البطاقات لمساعدة الأسر الفقيرة. حيث اعتاد الناس ان يكون هناك سعرين للسلعة بالبطاقة وبدونها. ونظرا لعودة الأمور لطبيعتها فقد أصبحت السلع تباع بسعرها الحقيقى فقررت الحكومة دعم السلع على البطاقة وبيعها بأقل من سعرها لمساعدة الفقراء وكانت هذه أول صورة لشبكات الأمان الاجتماعى فى مصر والتى اشتهرت باسم "الدعم".

ترواحت قيمة الدعم هبوطا وصعودا على مدار السنين حتى وصلت لأرقام ضعيفة فى بعض السنوات نتج عنها أن أصبح فارق السعر زهيدا وجودة السلع رديئة بما جعل الاقبال على البطاقات منخفض للأسر فوق المتوسطة بل وبعض الأسر المتوسطة ليصبح استخدامها محصورا فى نسبة تقل عن نصف أسر المجتمع المصرى.

الا أنه وبداية من عصر رئاسة محمد حسنى مبارك ظلت قيمة الدعم (الباب الرابع طبقا للتبويب الجديد للموازنة) فى تزايد مستمر حيث ارتفعت بالتقريب من مليار الى 100 مليار جنيه فى 30 سنة، أى زادت بمقدار 100 مرة.

ولاعطاء القارئ فكرة عن موقع مصر على خريطة العالم فإن هذا الرقم يشكل حوالى 9% من الناتج القومى الاجمالى وبذلك تحتل مصر مركزا من أعلى المراكز العالمية فى هذا الشأن حيث أن النسب المتعارف عليها فى حدود 3%. وبالرغم من ذلك فإن الانطباع العام فى مصر لا يوحى أننا اصحاب أفضل منظومة والسبب ببساطة هو انخفاض الاستثمار الحكومى مقارنة بالدعم. أى أن المواطنين لا يبحثون فقط عن دعم السلع والطاقة ولكن عن الخدمات. والاستثمار الحكومى هو المناط به العديد من الخدمات وعلى رأسها التعليم والصحة والبنية الأساسية (كهرباء – ماء نظيف – صرف صحى - طرق – وسائل انتقال - ...) هو ما سنقوم بتوضيحه فى السطور القليلة القادمة.

عودة الى مقارنة 1981 و2011 وحيث أن الزيادة السكانية فى هذه السنوات هى الضعف،

وحيث أن معدل التضخم فى ذات الفترة (طبقا لدراسة علمية مستخدمة سلاسل أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء والبنك المركزى المصرى والبنك الدولى) هى 30. أى أن القيمة الشرائية للجنيه عام 1981 تساوى حاليا فى عام 2011 القيمة الشرائية لثلاثين جنيه،

ومن ثم فإن مليار جنيه دعم عام 1981 تساوى 30 مليار جنيه دعم عام 2011 لشراء نفس السلع.

فإذا كان هناك رغبة فى خدمة ضعف عدد السكان فكان يجب أن تكون فاتورة الدعم 60 مليار جنيه.

وحيث أن حزمة الدعم (سلع – طاقة – مساعدات نقدية) لم تتغير فالسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: أين تذهب الأربعين مليار الفرق؟ وهو مبلغ ليس بالقليل فهو يزيد على استثمارات الحكومة السنوية كاملة (الباب السادس من الموازنة).

وحتى لا نصعب الأمور على القارئ فإن استرداد هذه الأربعين مليار أمر لن يؤثر على المستفيدين مقارنة بمنظومة 1981 ولكنه يضاعف مشروعات الحكومة بمعنى أنه يمكن بناء ضعف المدارس وتجهيز ضعف العيادات والمستشفيات وتمهيد ضعف طول الطرق وتوصيل الصرف الصخى لضعف المنازل سنويا وغير ذلك.

هذا فقط بضبط المنظومة دون تعديل أيا من قواعد اللعبة (أى أن أى شخص كان يحصل على سلعة سيظل يحصل عليها – فقط تلافى الهادر والمتسرب) فما بالنا لو اعدنا النظر فى قواعد الاستحقاق.

هذه البداية كانت لازمة للتوضيح أن كفاءة منظومة شبكات الأمان الاجتماعى فى مصر تحتاج اعادة نظر وهو أمر من المؤكد تحدث عنه الكثيرين ولكن خافوا أن يمسوه لأنه مرتبط كما ذكرنا آنفا بقضية الوئام الاجتماعى.

... ظل الأمر على ما هو عليه من زيادة مطردة فى مخصصات الباب الرابع (الدعم) حتى تشجع مجتمع تكنولوجيا المعلومات وقدم حلا جديدا أثبت نجاحا ساحقا فى منظومتى السلع والمدفوعات النقدية. والبادى لنا أنه يمكن التوسع لتغطية مجالات أخرى.

تم توزيع بطاقة جديدة على الأسر تحتوى على شريحة شبيهة بتلك التى يتم تركيبها فى التليفون المحمول ولديها قدرات تخزينية للبيانات والتطبيقات كما تم توزيع أجهزة نقاط بيع مماثلة للمستخدمة مع بطاقات الائتمان على البقالين ومكاتب البريد. وتم إحالة البطاقة الورقية للتقاعد وانهاء العمل بها.

لاقى النظام ترحيبا بين المواطنين، على عكس ما ظن البعض، نظرا لبساطته وعدم تعقيده ولكن والأهم لأن كل منهم تفهم ما هى حقوقه بشكل واضح معلن وأصبح يحصل على فاتورة توضح المعاملة التى تمت سواء كانت كميات وأسعار السلع التى اشتراها أو قيمة معاش الضمان الذى تقاضاه.

بالأرقام حققت بطاقة الأسرة التى بدأ استخدامها منذ عام 2007 وغطت مصر كلها فى 2010 وفرا سنويا قدره 1.1 مليار جنيه (25% من فاتورة دعم السلع) تم استخدامه لإضافة المزيد من الأفراد ليرتفع المستفيدين من 48 مليون الى 63 مليون مواطن. فإذا راعينا أن دعم الطاقة لا يراقب أصلا من خلال أى بطاقة يتضح أن ارتفاع الرقم من 25% الى 40% أو أكثر أمر سهل المنال.

تبدأ المنظومة من إعداد قاعدة لبيانات الأسرة للتعرف الحقيقى على المجتمع وتفهمه ثم ربط ذلك بالخدمات التى يجب أن يحصل عليها كل طبقا لاحتياجاته وقدراته مع الاستعانه بعلماء الاجتماع لوضع حد أدنى لمستوى المعيشة الذى يطمح الشعب المصرى الأيقل عنه أى فرد فى المجتمع.

تحتوى قاعدة بيانات الأسرة حاليا التى قامت وزارة التنمية الإدارية ببنائها لصالح وزارة التضامن الاجتماعى على 11.8 مليون أسرة مركبة تساوى 14 مليون اسرة. (الأسرة المركبة هى الأسرة التى يتم تدوين أسماء الأبناء المتزوجون مع أهلهم دون فصلهم كأسرة منفصله). وهذا الرقم يشكل 4 أخماس الأسر المصرية ومن ثم فهو بداية جيدة حيث أنه من غير المتوقع أن يحتاج الخمس المتبقى لتغطية اجتماعية.

إلا أن الاستفادة الحالية من هذه القاعدة غير مكتملة حيث:

• تغطية المدفوعات النقدية (معاش الضمان) 5% من المجتمع فقط وهو أقل بكثير من نسب الفقر

• تغطية السلع التموينية 80% وهو أعلى بكثير مما يجب ويتم بشكل متساو لكل الأسر فى حين يجب أن يتم اعطاء دعم أعلى للخمسين الفقيرين والتعامل معهما بشكل مختلف عن الخمس الذى يعلوهما والخمس الذى يعلوه.

• تغطية رغيف الخبز والطاقة 100% وهو أمر مستغرب غنى الحديث عنه.

والسؤال المطروح ما هى أهم اساسيات أى نظام كفء لشبكات الأمان الاجتماعى؟

الاجابة تتلخص فى ركنين اساسيين:

• آلية للتصنيف تضع الأسرة فى الخمس الأقرب لوضعها الاجتماعى (بنسبة خطأ مقبولة).

• آلية لتوصيل الخدمات للأسر بحيث يمكن التفرقة بين الخدمة المقدمة لكل خمس من أخماس المجتمع.

ولحسن الحظ أصبح متوفر لدينا الآليتين فى مصر: الرقم القومى وبطاقة الأسرة

ربط قواعد البيانت المختلفة بالرقم القومى كما هو موضح بالشكلين المرفقين يوفر حلم لعلماء الاجتماع طال انتظاره بتقديم ثروة من البارامترات التى تساعد فى التصنيف حيث يمكن الحصول على استهلاك الأسرة من الكهرباء والمكالمات التليفونية ومعرفة الملكيات ومدارس الأبناء وغيرها.

وبدون خروج على السياق فإن التصميم الذى بدأ تنفيذه غير مركزى موزع بما لا يسمح بتركيز البيانات فى مكان واحد تلافيا للوقوع فى مأزق مشهور يعرف بالأخ الأكبر (وهو أمر فنى أردت فقط الإشارة اليه لإزالة المخاوف المترتبة عليه – دون التطرق للتفاصيل فى هذا المقال).

أما آلية توصيل الخدمة فهى بطاقة الأسرة والتى صممت لتستوعب 8 تطبيقات لم يستخدم منها سوى 3: معاش الضمان (المدفوعات النقدية) – التموين (السلع الغذائية) – التأمين الصحى. ومن ثم فالباب مفتوح لتطبيقات النقل والمواصلات والطاقة (أنوبة البوتاجاز وغيرها).

واعتقد أنه بإمكانى أن اتوقف عند هذه النقطة فالهدف من المقال أصبح واضحا وهو أن مجتمع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سيكون لاعبا أساسيا فى استكمال أحد أهم أهداف المواطنين وهى العدالة الاجتماعية. والمشروع ضخم سيتطلب تضافر الكثير من التخصصات من شبكات وتأمين وقواعد بيانات و...

وإذا كان لى أن اضيف فإن شبكة تبادل البيانات التى تم تنفيذ جزء منها سيكون لها مردود ايجابى جدا على الخدمات الحكومية إذ شيئا فشيئا ستتوقف الجهات الحكومية من أن تطلب وثيقة أو بيان من مواطن يصدر من جهة أخرى بما يقلل المشاوير والجهد على المواطن وكانت باكورة ذلك اعفاء أولياء الأمور من تقديم شهادة ميلاد لأبنائهم عند التقدم للمدارس ويفتح الباب للعشرات من التطبيقات الأخرى وهو بالتأكيد ما يستحق مقالة أخرى.