Site icon ICT Business Magazine – أي سي تي بيزنس

أزمة شرائح المحمول المسجلة ببيانات غير صحيحة.. ظاهرة عالمية وصلت للمحلية

لم تعد أزمة تسجيل شرائح المحمول ببيانات لا تتطابق مع المستخدم الفعلي ظاهرة محلية مرتبطة بالسوق المصرية وحدها، وإنما أصبحت واحدة من التحديات التي تواجه عددًا كبيرًا من أسواق الاتصالات حول العالم، مع توسع الاعتماد على الهاتف المحمول باعتباره بوابة رئيسية للخدمات المالية والرقمية.

وتكشف بيانات ودراسات دولية أن المشكلة تأخذ صورًا متعددة، تبدأ من استخدام أفراد لشرائح مسجلة باسم شخص آخر لأسباب اجتماعية أو إجرائية، وتمتد إلى تسجيل شرائح باستخدام بيانات أو مستندات غير صحيحة، وصولًا إلى حالات الاحتيال وانتحال الهوية وإصدار خطوط دون علم أصحاب البيانات.

وتشير بيانات GSMA إلى أن نحو 160 حكومة حول العالم كانت قد فرضت تسجيل شرائح المحمول مسبقة الدفع بهوية المستخدم، بينما أظهرت دراسة ميدانية أجرتها الجمعية في 7 دول هي الجزائر وبنجلاديش والهند وكينيا وموزمبيق ونيجيريا وباكستان، أن نحو 285 مليون شخص من مستخدمي شرائح المحمول في هذه الدول لا يملكون شريحة مسجلة بأسمائهم، ويستخدمون شرائح مسجلة باسم أشخاص آخرين.

7 دول تكشف حجم المشكلة

الدراسة التي شملت دولًا يبلغ إجمالي عدد سكانها أكثر من 2.1 مليار نسمة، وجدت أن 18% من مستخدمي شرائح المحمول في العينة لا يستخدمون شرائح مسجلة بأسمائهم، وهو ما أدى إلى تقدير حجم الظاهرة بنحو 285 مليون شخص في الدول السبع محل الدراسة K وتكشف الدراسة أن أسباب استخدام شرائح مسجلة بأسماء آخرين تختلف من دولة لأخرى؛ ففي بعض الأسواق يرجع الأمر إلى تسجيل أحد أفراد الأسرة الشريحة نيابة عن آخر، بينما ترتبط الظاهرة في دول أخرى بعدم امتلاك وثائق هوية رسمية أو بعوامل اجتماعية وإجرائية.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين الشريحة غير المسجلة باسم المستخدم الفعلي وبين الشريحة التي تم تسجيلها احتياليًا باستخدام بيانات شخص آخر، إذ لا تمثل الأرقام الخاصة بالفئة الأولى بالضرورة ضحايا احتيال.

285 مليون مستخدم في 7 دول يستخدمون شرائح مسجلة بأسماء أشخاص آخرين.. والهند تفصل ملايين الخطوط المشبوهة بالذكاء الاصطناعي

 الأزمة تتحول إلى ملف تنظيمي وأمني

وفي مصر، تصاعدت القضية خلال أغسطس 2026 بعد تلقي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات شكاوى بشأن وجود خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم أو حيازتهم، وهو ما دفع الجهاز إلى اتخاذ إجراءات ضد شركات المحمول الأربع وإحالة الملف إلى النيابة العامة K وأعلن الجهاز أيضًا إتاحة آليات للمواطنين للتعامل مع الخطوط التي تظهر مسجلة بأسمائهم ولا يحوزونها، من خلال إجراءات «عدم الحيازة» وإيقاف الخطوط محل الشكوى، مع إمكانية تصعيد الأمر للجهاز في حال عدم تنفيذ طلب الإيقاف.

وفي تطور آخر، بدأت شركات المحمول مراجعة شريحة من الخطوط القديمة للتأكد من تطابق بيانات صاحب الخط مع الحائز والمستخدم الفعلي، وسط تقارير عن استهداف عدد كبير من المتضررين في المرحلة الأولى من عملية المراجعة، من إجمالي يقارب 127 مليون خط محمول.

الهند.. النموذج الأكثر تقدمًا في اكتشاف الشرائح المشبوهة

تقدم الهند واحدة من أكثر التجارب تطورًا في التعامل مع المشكلة، إذ أطلقت وزارة الاتصالات منصة Sanchar Saathi التي تمكن المواطن من معرفة أرقام المحمول المسجلة باسمه، والإبلاغ عن الأرقام التي لا تخصه.

لكن التجربة الهندية لم تتوقف عند إتاحة الاستعلام للمواطن، بل اتجهت إلى استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لاكتشاف أنماط التسجيل الاحتيالي.

وأعلنت وزارة الاتصالات الهندية أن منظومة Sanchar Saathi سجلت أكثر من 22 كرور زيارة، أي أكثر من 220 مليون زيارة، حتى نهاية 2025، بينما أصبح التطبيق يتيح للمستخدم معرفة الاتصالات المسجلة باسمه والإبلاغ عن الاستخدامات الاحتياليةكما استخدمت الهند أدوات تعتمد على تحليل بيانات الهوية والتعرف على الوجه لاكتشاف عمليات إصدار شرائح مشبوهة، في محاولة للانتقال من نموذج يعتمد على اكتشاف المواطن للمشكلة إلى نموذج قادر على اكتشاف المخاطر استباقيًا ولا تزال حالات الاحتيال تظهر حتى مع وجود هذه المنظومة؛ ففي 2026 كشفت الشرطة الهندية عن قضية تم خلالها تفعيل نحو 250 شريحة احتيالية باستخدام هوية وصورة شخص واحد، في واقعة رصدتها آليات تحقق تعتمد على التعرف على الوجه.

وتكشف هذه التجربة أن وجود قاعدة بيانات مركزية وحده لا يكفي، وإنما يجب أن تدعمها أدوات تحليل آلية للتحقق من العلاقة بين الهوية – الشريحة – المستخدم الفعلي.

غانا.. 11 مليون شريحة غير مسجلة

تقدم غانا نموذجًا آخر مهمًا، حيث نفذت الهيئة الوطنية للاتصالات عملية شاملة لإعادة تسجيل شرائح المحمول وربطها ببطاقة الهوية الوطنية Ghana Card وفي أبريل 2023 أعلنت الهيئة وجود نحو 11 مليون شريحة نشطة وغير مسجلة، مع تحديد موعد نهائي لاستكمال التسجيل قبل فصلها عن الشبكات والأكثر أهمية بالنسبة للتجربة المصرية أن غانا وفرت للمواطن آلية للتحقق من عدد الشرائح المرتبطة بهويته، كما أتاحت له طلب فصل الشرائح غير المرغوبة بعد إجراء عملية تحقق من الهوية.

وأعلنت الهيئة أن قاعدة البيانات المركزية أصبحت تربط 25.45 مليون شريحة بنحو 13.98 مليون بطاقة هوية وطنية فريدة بعد استكمال مراحل التسجيل.

كينيا.. فصل الشرائح غير المسجلة

اتبعت كينيا أيضًا سياسة إعادة تسجيل واسعة للشرائح، بدأت في 2022، وانتهت إلى فصل الشرائح التي لم تستوفِ متطلبات التسجيل. وتوضح هيئة الاتصالات الكينية أن عملية تسجيل الشرائح القائمة أدت إلى تعطيل الشرائح غير المسجلة.

ويكشف النموذج الكيني عن أحد الحلول التي تلجأ إليها الدول عندما تصبح قاعدة بيانات المشتركين غير موثوقة: إعادة التحقق الشامل، ثم الفصل التدريجي للخطوط التي لا تستوفي متطلبات الهوية.

المشكلة أكبر من مجرد شرائح محمول

تكمن خطورة هذه الأزمة في أن رقم الهاتف لم يعد مجرد وسيلة لإجراء مكالمة فالهاتف أصبح مرتبطًا بخدمات البنوك، والمحافظ الإلكترونية، وحسابات التواصل الاجتماعي، وخدمات الحكومة الرقمية، واستقبال رموز التحقق OTP وبالتالي فإن وجود رقم مسجل باسم شخص بينما يستخدمه شخص آخر يخلق فجوة في سلسلة الهوية الرقمية، وقد يسمح باستخدام الرقم كحلقة وصل بين شخص غير معروف وهوية مواطن آخر.

ولهذا السبب تتعامل الدول الأكثر تقدمًا مع القضية باعتبارها جزءًا من حوكمة الهوية الرقمية ومكافحة الاحتيال المالي والجرائم الإلكترونية، وليس مجرد ملف لخدمة العملاء في شركات الاتصالات.

5 حلول عالمية لمواجهة الأزمة

من خلال مقارنة التجارب الدولية، يمكن تحديد خمسة اتجاهات رئيسية في معالجة المشكلة:

1 ـ قاعدة بيانات مركزية للهوية والشرائح : من خلال ربط كل شريحة بهوية رقمية موثوقة، مع وجود سجل مركزي يسمح للجهة التنظيمية بمعرفة جميع الشرائح المرتبطة بكل هوية.

2 ـ تمكين المواطن من معرفة الخطوط المسجلة باسمه: فلا يكفي أن تمتلك الحكومة أو شركة المحمول البيانات؛ يجب أن يستطيع المواطن الوصول إليها بسهولة، والإبلاغ عن أي رقم لا يعرفه.

3 ـ إعادة التحقق قبل فصل الخط : بدلًا من الفصل الفوري، تمنح الدول عادة فترة للمستخدم لتصحيح البيانات أو إعادة إثبات الهوية، ثم يتم فصل الخط إذا فشل في استيفاء المتطلبات وهذا يحقق التوازن بين أمن الشبكة وحماية حقوق المستخدمين.

4 ـ استخدام القياسات الحيوية والذكاء الاصطناعي

الانتقال من مطابقة البيانات المكتوبة فقط إلى مطابقة الهوية البيومترية، وتحليل الأنماط غير الطبيعية في إصدار الشرائح.

5 ـ ربط منظومة الاتصالات بمنظومة مكافحة الاحتيال : وهذه ربما تكون أهم خطوة مستقبلية فعند فصل رقم بسبب احتيال أو عدم صحة بياناته، يمكن – وفق الأطر القانونية وضوابط حماية البيانات – مشاركة الإشارة المتعلقة بالرقم مع البنوك والمحافظ الإلكترونية والجهات المعنية لمنع استخدامه في عمليات احتيالية جديدة.

 

Exit mobile version