Site icon ICT Business Magazine – أي سي تي بيزنس

أميرة التهامي تكتب: ضجيج تمكين المرأة بلا طحين

اميرة التهامي

أميرة التهامي

في هذا الشهر، ومع احتفالات يوم المرأة العالمي، امتلأت صفحاتنا على مواقع التواصل بالكثير من الهاشتاجات والرسائل الاحتفالية حول “النساء يدعمن النساء”، في وقت يشهد فيه العالم حالة من عدم اليقين والقلق. لكن إذا كنا صادقين مع أنفسنا، فسنجد أن الواقع على الأرض لا يعكس دائمًا تلك العناوين البراقة.

كنت من المحظوظات في بداية مسيرتي المهنية بالعمل تحت قيادة نسائية لم تكتفِ بإدارتي فقط، بل آمنت بي في وقت كنت لا أزال أتعلم وأرتكب أخطاء المبتدئين الطبيعية. منحْنَني الفرص، ومساحة للتجربة، وتحدين أفكاري، وصححن مساري، ووقفن بجانبي عندما احتجت ذلك، وساهمن في تطوري بطرق لا يمكن لأي تدريب أو كتاب أن يحققها.

لم يعلمني ذلك فقط كيف أؤدي عملي، بل كان تجربة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى إنساني، ولا تزال آثارها تشكل أسلوبي في العمل حتى اليوم.

لكن مع انتقالي بين فرق عمل وهياكل إدارية مختلفة، أدركت أن هذه التجربة ليست القاعدة دائمًا. في بعض البيئات، رأيت نساء يتنافسن بدلًا من أن يتعاونّ، ورأيت من يحتفظن بالفرص بدلًا من مشاركتها، وأحيانًا شعرت بمسافة حيث كان يفترض أن يكون هناك دعم. وفي بعض الأحيان، كان الضغط على المرأة يأتي من نساء أخريات أكثر من أي طرف آخر.

كانت هذه حقيقة محبطة، لكنها كشفت لي أيضًا مدى تأثر هذه السلوكيات بثقافة بيئة العمل، وأحيانًا بتجارب شخصية تخلق عقلية ندرة تدفع البعض للشعور بأن عليهن حماية مواقعهن بأي ثمن.

ومع استمرار هذه القناعة لسنوات، يبدأ البعض في الاعتقاد أن نجاح امرأة أخرى قد يهدد نجاحهن. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية. فكل مرة يُحجب فيها الدعم، تصبح بيئة العمل أكثر برودة وحذرًا، ويتباطأ تطور الكفاءات، وقد تتراجع الثقة بالنفس في وقت مبكر أكثر مما ينبغي.

تحول هذا الموضوع إلى محور نقاش متكرر في العديد من الأحاديث الجانبية وخلف الكواليس في مختلف الفعاليات والمؤتمرات. نسمع كثيرًا عن تمكين المرأة والمساواة، لكن في الواقع، لا يتم دائمًا توفير الأنظمة التي تجعل هذه الشعارات حقيقة، لتجد الكثير من النساء أنفسهن يحاولن التوفيق بين توقعات شبه مستحيلة.

يفقد خطاب التمكين معناه عندما لا يترجم إلى تغيير حقيقي. الكلمات تبدو صحيحة، لكن التجربة اليومية للكثير من النساء لا تزال مليئة بتحديات غير ضرورية.

لهذا، نحن بحاجة لأن نكون أكثر وعيًا وإصرارًا على تغيير هذه الصورة وجعلها واقعًا حقيقياً. دعم النساء لبعضهن لا يجب أن يكون بدافع الظهور أو لمواكبة الترند، بل هو مسؤولية، لأننا ندرك جيدًا مدى تأثير أن يؤمن بك أحد، ويدعمك، ويمنحك فرصة في وقت لا تزالين فيه في طور التعلم.

فرصة واحدة يمكن أن تغير مسار حياة كاملة، وتخلق زخمًا لا يمكن لأي برنامج تدريبي أن يعوضه.

لا زلت أتذكر النساء اللاتي فعلن ذلك من أجلي. اللاتي منحْنَني الثقة قبل اليقين، وقدمن لي التوجيه عندما احتجت، وكانت أفعالهن هي ما شكّل رؤيتي للقيادة اليوم، وبسببهن، أشعر بمسؤولية مستمرة تجاه غيري من النساء والرجال معاً.

عندما أرى إمكانيات في شخص ما، أتكلم وادعم وأحاول أن أخلق مساحة للنمو.

فالأفعال الصغيرة تصل أبعد مما نتوقع في مختلف صورها سواء توصية، كلمة تشجيع، فرصة تُمنح في الوقت المناسب، ترقية عادلة لا تقوم على المجاملات. هذه اللحظات تبقى في الذاكرة طويلًا بعد انتهاء الاجتماعات، وهنا فقط يصبح الدعم حقيقيًا عندما يُمارس يوميًا. ليس كشعار، بل كعادة، وكخيار يتكرر مرة بعد أخرى.

الكثير من المسيرات المهنية انطلقت لأن أحدهم قرر أن يؤمن مبكرًا. وأنا أعلم أن مسيرتي كانت واحدة منها، وهذا وحده سبب كافٍ لأن يستحق الأمر كل هذا الجهد.

كل امرأة تتذكر من منحها المساحة ومن لم يفعل. كوني سببًا في تقدم الآخرين، لا في إعاقتهم. فالتمكين ليس مجرد كلمات تُقال، بل قرارات تُتخذ في مواقف حقيقية كل يوم.

نحن بحاجة إلى نماذج حقيقية تُظهر كيف يبدو التمكين على أرض الواقع. وإلى أن تتحول هذه الشعارات إلى تجارب معاشة للجميع، سيبقى الحديث عن التمكين مجرد كلام لا أكثر.

بقلم: أميرة التهامي 

خبيرة العلاقات العامة والاتصال المؤسسي

Exit mobile version