Site icon ICT Business Magazine – أي سي تي بيزنس

أيمن عصام يكتب: كفاءة الطاقة.. المورد الخفي الذي قد يغيّر معادلة الطاقة في أفريقيا

نقلا عن itweb.africa

قد يكون أكثر موارد الطاقة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في أفريقيا هو كفاءة استخدام الطاقة نفسها. ففي الوقت الذي تسابق فيه القارة الزمن لتوسيع قدراتها على توليد الكهرباء، وتعمل على ربط ملايين الأشخاص الآخرين بشبكات كهرباء موثوقة، يتعين علينا أيضًا تعظيم القيمة المستخرجة من كل وحدة طاقة ننتجها بالفعل.

يسلط تقرير حديث لشركة فوداكوم حول إزالة الكربون الضوء على أهمية إعادة التفكير في مستقبل الطاقة في أفريقيا. فلا يزال نحو 600 مليون شخص في أنحاء القارة يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الكهرباء، في وقت يتواصل فيه الطلب على الطاقة في الارتفاع مع تحول الاقتصادات نحو الرقمنة، ونمو السكان، ووصول خدمات الاتصالات إلى المزيد من المجتمعات.

وتظل إضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء، وتعزيز شبكات نقل الطاقة، وتطوير آليات تمويل مبتكرة، أمورًا أساسية، إلا أن تنفيذها يستغرق عادة سنوات. أما كفاءة استخدام الطاقة، فيمكن أن تحقق أثرًا ملموسًا منذ اليوم.

ولهذا، لا ينبغي النظر إلى تحديات الطاقة في أفريقيا من منظور زيادة المعروض فقط. فإعطاء كفاءة الطاقة مكانة متقدمة في النقاش يغيّر المعادلة، لأنه يقر بأن التقدم لا يتحدد فقط بكمية الطاقة الجديدة التي يمكننا توليدها، وإنما أيضًا بمدى كفاءة استخدام الطاقة المتاحة بالفعل.

وفي قارة لا يزال الوصول إلى الطاقة فيها أحد أبرز تحديات التنمية في عصرنا، تمثل زيادة الكفاءة إحدى أسرع الطرق لتوسيع نطاق الاستفادة من موارد الطاقة الحالية وتعظيم تأثيرها، بالتوازي مع تنفيذ استثمارات البنية التحتية طويلة الأجل.

نمو دون زيادة متناسبة في الطلب على الطاقة

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع توسع الاقتصاد الرقمي في أفريقيا. فعلى مدار التاريخ، كان ازدياد الاتصال بالإنترنت، واستخدام البيانات، والنشاط الاقتصادي يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الطاقة. إلا أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يثبت الآن إمكانية فصل النمو عن الاستهلاك المتزايد للطاقة.

وتتيح التطورات في تصميم الشبكات وإدارة الطاقة والكفاءة التشغيلية للمؤسسات دعم أحجام متزايدة من النشاط الرقمي مع استهلاك كميات أقل من الطاقة.

وتقدم تجربة فوداكوم مثالًا عمليًا على ذلك. فمن خلال تحسين كفاءة أجهزة الراديو، وتحديث المعدات، وتحسين أنظمة التبريد، وتطبيق خصائص لتوفير الطاقة تعتمد على البرمجيات، إلى جانب تصميم المواقع الجديدة مع وضع كفاءة الطاقة في الاعتبار منذ البداية، تعمل المجموعة على خفض الطاقة اللازمة لنقل كل وحدة من حركة البيانات عبر شبكتها.

كما يعزز نظام المراقبة الذكي هذه الجهود من خلال تحديد أماكن استهلاك الطاقة، ورصد المعدات غير الكفؤة، وإتاحة تحسين الأداء في الوقت الفعلي.

وقد ساهمت هذه الإجراءات، إلى جانب تصميم المواقع الجديدة وفق معايير كفاءة الطاقة منذ البداية، في تحسين كثافة استهلاك الطاقة لدى المجموعة إلى 0.27 ميجاواط/ساعة لكل تيرابايت من البيانات المنقولة عبر الشبكة، وهو تحسن بنسبة 20% مقارنة بالعام السابق.

ومن العوامل المهمة، التي غالبًا ما يتم تجاهلها، في تحسين كفاءة الطاقة أيضًا توافر الطيف الترددي. فإتاحة نطاقات أكبر من الطيف بأسعار معقولة تمكن مشغلي شبكات الهاتف المحمول من نقل كميات أكبر بكثير من البيانات وربط عدد أكبر من العملاء دون الحاجة إلى إنشاء عدد متناسب من مواقع الشبكات.

ويؤدي توافر المزيد من الطيف الترددي إلى زيادة سعة الشبكة وتغطيتها، بما يسمح للمشغلين بتلبية الطلب المتنامي بكفاءة أكبر، مع خفض الطاقة المطلوبة لنقل كل وحدة من البيانات.

ومع دراسة الحكومات في مختلف أنحاء أفريقيا لأفضل السبل لتسريع الشمول الرقمي، ينبغي النظر إلى سياسات الطيف الترددي باعتبارها أيضًا أداة من أدوات سياسة الطاقة. فإتاحة نطاقات إضافية من الطيف في كتل أكبر وبأسعار مناسبة يمكن أن تساعد مشغلي شبكات المحمول على سد فجوة الاتصال بشكل أسرع، وخفض تكاليف البنية التحتية واستهلاك الطاقة، وتعظيم القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي توفرها خدمات الاتصال الرقمي.

ولا تقتصر آثار ذلك على قطاع الاتصالات. فكل تحسن في الكفاءة يخفف الضغط على أنظمة الكهرباء محدودة الموارد، ويقلل من حجم قدرات التوليد الجديدة المطلوبة لدعم النمو، ويساعد على توفير المزيد من الطاقة للمجتمعات والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

نموذج أولي لاقتصاد أكثر كفاءة

لا تبدأ الفرصة ولا تنتهي عند قطاع الاتصالات. ومن أهم الدروس التي يقدمها القطاع أن كفاءة الطاقة لم تعد تعني ببساطة استهلاك طاقة أقل، بل أصبحت مرتبطة باستخدام البيانات والأتمتة والرؤى المستمدة من البيانات في الوقت الفعلي لإدارة الطاقة بصورة أكثر ذكاءً.

ويمكن لتقنيات مثل التحسين المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة إدارة الطاقة الذكية، وأدوات المراقبة عن بُعد أن تساعد المؤسسات على تحديد أوجه عدم الكفاءة، وتقليل الهدر، وتحسين الأداء.

وفي قطاع الاتصالات، تستطيع الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي تحليل حركة البيانات على الشبكات في الوقت الفعلي، وإجراء تعديلات تلقائية على عمليات الشبكة لتحسين الكفاءة دون التأثير على جودة الخدمة.

وعلى مستوى شبكة تضم عادةً 1000 موقع، أظهرت هذه الأنظمة إمكانية توفير ما يقرب من 1.5 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنويًا.

ويمكن للقدرات الرقمية نفسها التي تعمل على تحسين استخدام الطاقة في الشبكات أن تساعد المؤسسات على فهم استهلاك الطاقة وإدارته وخفضه في مجموعة واسعة من البيئات التشغيلية.

تمويل كفاءة الطاقة باعتبارها بنية تحتية

على الرغم من قدرتها على خفض التكاليف والانبعاثات وتقليل الضغط على أنظمة الطاقة المحدودة، لا تزال كفاءة الطاقة تعاني نقصًا في التمويل.

وقد تركزت جهود كبيرة على تطوير نماذج تمويل لمشروعات الطاقة المتجددة، إلا أن الأمر يحتاج إلى ابتكار مماثل لفتح المجال أمام الاستثمارات الرامية إلى خفض الطلب على الطاقة.

ويمكن لشركات خدمات الطاقة (ESCOs)، والعقود القائمة على الأداء، والتسهيلات الائتمانية الدوارة، وآليات التمويل المخصصة لكفاءة الطاقة، أن تساعد في التغلب على التكاليف الأولية التي غالبًا ما تؤخر تنفيذ مشروعات تحسين الكفاءة.

ومن النماذج الواعدة عقود أداء الطاقة، التي يتم بموجبها تمويل تحسينات الكفاءة مقدمًا، ثم سداد تكلفتها تدريجيًا من الوفر الذي تحققه هذه التحسينات.

ومن خلال جعل تمويل مشروعات كفاءة الطاقة أكثر سهولة، يمكن لهذه الآليات تسريع نشر الحلول التي تحقق عوائد اقتصادية وبيئية فورية.

تحويل الاستثمار إلى أثر ملموس

يمثل توفير التمويل جزءًا مهمًا من المعادلة، لكنه وحده لن يضمن تحقيق نتائج أفضل. ويتمثل التحدي في تحويل الاستثمارات إلى مكاسب قابلة للقياس في مجال كفاءة الطاقة وعلى نطاق واسع.

وهذا يتطلب أكثر من مجرد التكنولوجيا. إذ تحتاج المؤسسات إلى المهارات اللازمة لتطبيق الحلول الجديدة وإدارتها، والخبرات الفنية لدمجها في العمليات الحالية، والقدرات المؤسسية اللازمة لنقل المشروعات من مرحلة الاستراتيجية إلى التنفيذ.

كما يمثل التعاون عنصرًا أساسيًا. فالحكومات والقطاع الصناعي والممولون ومزودو التكنولوجيا، لكل منهم دور في تبادل الخبرات، وبناء القدرات، وإزالة العوائق أمام تبني هذه الحلول.

وعندما تتضافر هذه العوامل، يمكن لكفاءة الطاقة أن تتجاوز نطاق المشروعات المنفردة لتصبح محركًا أوسع للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

جعل كل كيلوواط/ساعة ذا قيمة

مع استمرار توسع خدمات الاتصال في مختلف أنحاء القارة، سيواصل الطلب على الطاقة الارتفاع، ما سيضع ضغوطًا أكبر على أنظمة الطاقة التي تكافح بالفعل لمواكبة هذا النمو.

لكن أمام أفريقيا خيارًا. إذ يمكنها مواصلة التعامل مع كفاءة الطاقة باعتبارها مسألة ثانوية، أو الاعتراف بها باعتبارها موردًا استراتيجيًا.

ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على إنتاج المزيد من الطاقة، بل يجب أن يتمثل أيضًا في ضمان تحقيق أكبر قيمة اقتصادية واجتماعية ممكنة من كل كيلوواط/ساعة.

وإذا نجحت أفريقيا في تحقيق هذه المعادلة، فقد تصبح كفاءة الطاقة واحدة من أقوى أدوات القارة لتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة وتسريع التحول نحو مستقبل منخفض الكربون.

 

بقلم / أيمن عصام 

الرئيس التنفيذي للشئون الخارجية بمجموعة فوداكوم 

Exit mobile version