شهد قطاع التمويل متناهي الصغر في مصر تحولًا جذريًا خلال العقود الأربعة الماضية، لينتقل من نشاط محدود تقوده الجمعيات والمؤسسات الأهلية إلى صناعة مالية غير مصرفية منظمة تخضع لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية. وبلغت أرصدة التمويل 74 مليار جنيه بنهاية الربع الأول من 2026، فيما استحوذت النساء على 53% من إجمالي المستفيدين، بما يقارب 1.8 مليون سيدة، في مؤشر على اتساع قاعدة النشاط ودوره في دعم الشمول المالي.
ويستهدف التمويل متناهي الصغر أصحاب المشروعات الصغيرة جدًا والأسر محدودة الدخل والأنشطة غير الرسمية، التي يصعب عليها الحصول على التمويل المصرفي التقليدي، ليصبح أحد أهم أدوات توسيع قاعدة الخدمات المالية الرسمية في المحافظات والقرى.
وتظهر بيانات الربع الأول من 2026 أن الأنشطة التجارية استحوذت على 56.6 %من إجمالي المحفظة بقيمة 41.7 مليار جنيه لصالح نحو 2.1 مليون مستفيد، تلتها الأنشطة الزراعية بقيمة 18.5 مليار جنيه لنحو 673.5 ألف مستفيد وبحصة 25.1%، ثم الأنشطة الخدمية بقيمة 9.3 مليار جنيه، فالأنشطة الإنتاجية والحرفية بنحو 4.1 مليار جنيه.
ومع موجات التضخم، رفعت الهيئة العامة للرقابة المالية في فبراير 2026 الحد الأقصى للتمويل من 266 ألف جنيه إلى 292 ألف جنيه لمواكبة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يعني أن نمو المحافظ التمويلية لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة في أعداد المستفيدين، بل يرتبط أيضًا بارتفاع متوسط قيمة التمويل.
وتؤكد المؤشرات ذلك، إذ ارتفع إجمالي أرصدة تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إلى 98.3 مليار جنيه بنهاية 2025 مقابل 79.1 مليار جنيه في 2024، بنمو 24%، بينما تراجع عدد المستفيدين إلى 3.6 مليون مقابل 3.7 مليون بانخفاض 3.4%.
ويعود التحول الحقيقي للقطاع إلى صدور القانون رقم 141 لسنة 2014 الذي وضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم النشاط تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، بعدما كانت بداياته تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. وأسهم القانون في جذب شركات جديدة وتعزيز ثقة المستثمرين، لترتفع المحافظ التمويلية من نحو ملياري جنيه عند صدور القانون إلى 17.5 مليار جنيه بحلول 2020، مع تجاوز عدد العملاء 3.1 مليون مستفيد.
كما شهد القطاع توسعات تشريعية متتالية، أبرزها القانون رقم 18 لسنة 2019 لتنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي، وإقرار التأمين الإجباري على العملاء، ثم القانون رقم 201 لسنة 2020 الذي وسع الإطار التنظيمي ليشمل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب التمويل متناهي الصغر، مع تعزيز قواعد الحوكمة والإفصاح وحماية العملاء.
وفي 2023، دخل القطاع مرحلة جديدة مع إصدار ضوابط التكنولوجيا المالية، التي أتاحت استخدام الهوية والعقود والسجلات الرقمية في تقديم الخدمات، بما ساهم في خفض تكلفة الوصول للعملاء، وتسريع إجراءات التمويل والتحصيل، وتوسيع الانتشار الجغرافي، خاصة في المناطق النائية، كما اعتمدت الهيئة تطبيقات إلكترونية مرخصة لمزاولة النشاط.
وعززت الهيئة مظلة حماية العملاء بإصدار نموذج محدث للتأمين الجماعي في فبراير 2026، رفع الحد الأقصى لسن التأمين من 60 إلى 65 عامًا، وزاد الحد الأقصى للتغطية التأمينية إلى 390 ألف جنيه، بما يوفر حماية أكبر للمستفيدين.
ورغم هذا النمو، تشير الدراسة إلى أن السوق المصرية لا تزال تمتلك فرصًا كبيرة للتوسع، إذ لا تزال نسبة كبيرة من المشروعات متناهية الصغر خارج منظومة التمويل الرسمية، في وقت تقدر فيه الدراسات الدولية فجوة تمويل المشروعات المتناهية والصغيرة في الاقتصادات الناشئة بنحو 5 تريليونات دولار، وهو ما يعكس إمكانات واسعة لتعزيز الشمول المالي ودمج المزيد من المشروعات غير الرسمية.
وتخلص الدراسة إلى أن التمويل متناهي الصغر نجح في توسيع قاعدة المستفيدين ودمج ملايين العملاء داخل الاقتصاد الرسمي، لكنه يشير إلى أن تقييم نجاح الصناعة لا يجب أن يقتصر على نمو المحافظ التمويلية أو أعداد العملاء، بل ينبغي أن يقاس أيضًا بمدى تحسين دخول المستفيدين، واستدامة المشروعات، ومنع الإفراط في المديونية، وضمان وصول التمويل إلى الفئات المستهدفة، خاصة مع اقتراب سقف التمويل من 300 ألف جنيه، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المشروع متناهي الصغر والمشروع الصغير.
