كتبت:مروة متير
سلط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، الضوء على تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «صعود الأمن السيبراني كأولوية اقتصادية استراتيجية»، والذي أكد أن الأمن السيبراني لم يعد قضية تقنية تقتصر على حماية الأنظمة والبيانات، وإنما أصبح ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي والاستقرار الوطني والقدرة التنافسية للدول، في ظل تسارع التحول الرقمي، وتزايد الترابط بين الاقتصادات، وتصاعد التهديدات السيبرانية من حيث الحجم والتعقيد.
وأوضح التقرير أن المخاطر السيبرانية تطورت بصورة تراكمية منذ بداية الألفية، بالتوازي مع انتشار الإنترنت ورقمنة الأنشطة الاقتصادية والحكومية، قبل أن تتحول الهجمات خلال العقدين الماضيين إلى عمليات أكثر تنظيمًا وتعقيدًا. ومع اتساع نطاق الهجمات الكبرى، أصبح تأثيرها يتجاوز المؤسسة المستهدفة ليصل إلى البنية التحتية وسلاسل الإمداد والاقتصاد ككل.
وأشار إلى أن العقد الحالي يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة المخاطر السيبرانية، مدفوعًا بتوسع النظم الرقمية المترابطة، والاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية، بما جعل الهجمات أكثر قابلية للتوسع والانتشار، وزاد من قدرتها على التأثير المباشر في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد التقرير أن التداعيات الاقتصادية للهجمات السيبرانية أصبحت قابلة للقياس بصورة متزايدة. ففي عام ٢٠٢٥، أدى هجوم سيبراني كبير إلى توقف إنتاج صناعة السيارات في المملكة المتحدة لفترة ممتدة، وتعطيل شبكة واسعة من الموردين، بما أسهم في خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت تكلفته الاقتصادية التقديرية نحو ١.٩ مليار جنيه إسترليني، مع تأثر آلاف المؤسسات.
كما أشار إلى أن الحوادث السيبرانية تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والتعافي، وتعطيل العمليات، وفقدان ثقة العملاء، وقد تهدد استمرارية بعض الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يمكن أن يؤدي ضعف المرونة السيبرانية إلى تراجع جاذبية الاستثمار، وإضعاف منظومات الابتكار، وتقليص القدرة التنافسية للقطاعات الحيوية.
وشدد التقرير على أن قياس التكلفة المالية والاقتصادية للمخاطر السيبرانية يمثل خطوة أساسية لتحويل الأمن السيبراني إلى أولوية مستدامة في عملية صنع القرار، بما يتطلب تطوير نماذج أكثر دقة لقياس المخاطر والخسائر المحتملة، وتوفير الأدلة الاقتصادية اللازمة لتوجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر تأثيرًا.
وفي هذا الإطار، أوضح التقرير أن المؤسسات بدأت تنتقل من مفهوم «الامتثال السيبراني» إلى مفهوم «المرونة السيبرانية القابلة للقياس»؛ بحيث لا يقتصر التقييم على الالتزام بالقواعد والإجراءات، وإنما يمتد إلى قدرة المؤسسة على احتواء الهجوم، واستعادة أنظمتها بسرعة، وتقليل الخسائر، وضمان استمرارية عملياتها الأساسية.
وانعكس هذا التحول على أولويات الاستثمار، التي باتت تركز بصورة أكبر على حماية الأصول الحيوية، وتعزيز الجاهزية للاستجابة للحوادث، وتسريع عمليات التعافي. كما أصبحت المرونة السيبرانية مسؤولية مؤسسية شاملة تجمع بين التكنولوجيا والحوكمة وتأهيل الكوادر وإدارة المخاطر، وليس مسؤولية الإدارات التقنية وحدها.
وأكد التقرير أن تزايد تعقيد سلاسل الإمداد الرقمية أدى إلى تحول المخاطر السيبرانية إلى مخاطر نظامية؛ إذ يمكن لاختراق أو تعطل نقطة واحدة داخل شبكة مترابطة أن تنتقل تداعياته إلى عدد كبير من الشركات والقطاعات، بل وإلى اقتصادات ودول متعددة.
وفي الوقت نفسه، اتسع نطاق التهديدات ليشمل الاحتيال الرقمي والهجمات التي تستهدف الأفراد والمجتمعات إلى جانب المؤسسات، وهو ما يستدعي الانتقال من الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى نهج وقائي ومنسق يركز على الحد من المخاطر قبل وقوعها، وتعزيز الحماية داخل الخدمات الرقمية، ورفع الوعي والثقافة الرقمية.
ودعا التقرير إلى تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، وتبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات، وتطوير أطر مشتركة للاستجابة السريعة للأزمات. كما أشار إلى أن تعدد الأطر التنظيمية واختلافها بين الدول يمثل تحديًا أمام تنسيق الجهود، بما يزيد أهمية الاتفاقات متعددة الأطراف والاعتراف المتبادل بين الجهات التنظيمية، والاستفادة من الأدوات القائمة على الحوافز والشفافية.
وسلط التقرير الضوء على التأثير المتزايد للتقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح عاملًا مؤثرًا على جانبي المعادلة؛ إذ يمكن توظيفه في تطوير هجمات أكثر سرعة وتعقيدًا، وفي الوقت نفسه تستخدمه المؤسسات في اكتشاف التهديدات وتعزيز قدراتها الدفاعية. كما تفرض الحوسبة الكمية والأنظمة الذكية تحديات جديدة تستوجب تبني استراتيجيات استباقية ودمج اعتبارات الأمن السيبراني في تصميم الأنظمة منذ البداية، مع ضمان المساءلة والإشراف البشري.
وخلص التقرير إلى أن الأمن السيبراني لم يعد وظيفة داعمة داخل المؤسسات، وإنما أصبح أحد شروط الاستقرار الاقتصادي والأمن الوطني والميزة التنافسية. ومن ثم، فإن بناء المرونة السيبرانية يتطلب الجمع بين السياسات والتكنولوجيا والحوكمة والاستثمار في القدرات البشرية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، وقياس المخاطر والنتائج بصورة تسمح لصناع القرار بتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر أهمية وتأثيرًا.
