بدأ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في اتخاذ إجراءات أكثر حسمًا تجاه شركات المحمول الأربع، دون تفرقة بينها، وذلك على خلفية أزمة ظهور شرائح محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم أو غير مطابقة لبيانات مستخدميها.
ويأتي تحرك الجهاز بعد حالة من الجدل والتساؤلات حول دوره الرقابي، خاصة مع اتساع نطاق القضية وتداول شكاوى ومعلومات بشأن وجود خطوط محمول مجهولة الهوية أو مسجلة ببيانات غير صحيحة، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى فاعلية منظومة الرقابة على عمليات بيع وتسجيل وتفعيل شرائح المحمول، ومدى التزام الشركات بالضوابط المنظمة للسوق.
ورغم الاستثمارات والجهود التي تبذلها شركات المحمول لتطوير شبكاتها وخدماتها، فإن الحكومة، ممثلة في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، انتقلت هذه المرة إلى موقف أكثر حسمًا دفاعًا عن حقوق العملاء والمستخدمين، خاصة أن بيع أو تداول شرائح محمول مجهولة الهوية أو ببيانات غير صحيحة يمثل مخالفة للضوابط المنظمة لقطاع الاتصالات.
وتعود قضية مواجهة الشرائح مجهولة الهوية إلى سنوات طويلة، إذ بدأ الاهتمام بها بصورة أكثر وضوحًا خلال فترة تولي المهندس عاطف حلمي وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في أعقاب استخدامها في عدد من الحوادث والقضايا الأمنية، وما ارتبط بها من مخاطر على الأمن القومي وسلامة المجتمع.
وفي هذا السياق، ترصد ICTBusiness أبرز الحالات التي شهدت اتخاذ إجراءات أو إحالات مرتبطة بشركات المحمول، سواء من جانب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أو من جانب أجهزة الدولة الأخرى:
- الإحالة الأشهر لشركات المحمول الثلاث في 2013: لم تصدر عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ففي ديسمبر 2013 أحال جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية شركات «فودافون» و«موبينيل» (أورنج مصر حاليًا) و«اتصالات مصر» (إي آند مصر حاليًا) إلى النيابة العامة، على خلفية اتهامات تتعلق بالاتفاق على رفع أسعار خدمات المحمول. وأكد رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات آنذاك أن جهاز حماية المنافسة لم ينسق معه قبل اتخاذ قرار الإحالة.
- فبراير 2013: أحال جهاز حماية المنافسة شركتي «موبينيل» (أورنج مصر حاليًا) و«اتصالات مصر» (إي آند مصر حاليًا) إلى النيابة، بسبب عدم تعاونهما في تقديم البيانات والمستندات التي طلبها الجهاز خلال فحص بلاغ يتعلق بشركات المحمول. وفي المقابل، اتخذ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات خلال فترات مختلفة إجراءات تنظيمية وجزاءات بحق شركات وموزعين بسبب مخالفات تتعلق ببيع وتسجيل خطوط المحمول.
- عام 2015: وبعد تنفيذ 370 حملة تفتيشية، رصد الجهاز 56 مخالفة، وقرر وقف البيع في 5 فروع رئيسية، وإغلاق 24 محلًا تابعًا، إلى جانب ضبط 27 موزعًا مخالفًا وإحالتهم إلى النيابة. كما أوقف نحو 3 ملايين خط كانت مفعلة ببيانات غير دقيقة.
- 10 أغسطس 2026: أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة على خلفية مخالفات مرتبطة ببيع خطوط محمول دون أسماء أو ببيانات غير صحيحة، في خطوة تعكس تشددًا رقابيًا أكبر تجاه التزام الشركات بقواعد تسجيل وتفعيل خطوط المحمول.
إلى متى تستمر أزمة الشرائح مجهولة الهوية؟
وبينما تمثل إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة خطوة رقابية أكثر حسمًا، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الإجراءات في إنهاء ظاهرة الشرائح مجهولة الهوية، أم أن الأزمة ستتكرر رغم تعدد الضوابط والجزاءات وحملات التفتيش؟
فالقضية لا تتعلق فقط بوجود خط مسجل باسم مواطن دون علمه، وإنما تمتد إلى كفاءة منظومة بيع وتسجيل وتفعيل الخطوط بالكامل، ومدى قدرة شركات المحمول والموزعين ونقاط البيع على التأكد من هوية المستخدم قبل إتمام عملية التسجيل والتفعيل.
كما تطرح التطورات الأخيرة سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل تحتاج منظومة تسجيل شرائح المحمول إلى تشديد أكبر في إجراءات التحقق من هوية المستخدم، وربط المسؤولية بصورة مباشرة بالجهة التي سمحت بتسجيل الخط؟
ويبقى نجاح الإجراءات الجديدة مرهونًا ليس فقط بالإحالة إلى النيابة، وإنما بقدرة الجهاز على ضمان عدم تكرار المخالفة، ومحاسبة المسؤول عنها، وإغلاق الثغرات التي سمحت بظهور خطوط مجهولة أو مسجلة ببيانات لا تعكس المستخدم الفعلي.
فالسؤال الآن لم يعد: أين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات؟ وإنما: ماذا بعد الإحالة؟ وهل تكون هذه المرة نقطة تحول حقيقية في ملف الشرائح مجهولة الهوية؟
