مقالات

حاتم زهران يكتب: خيانة الأمانة بالنصب المعلوماتي

رغم أننا أصبحنا في عالم السماوات المفتوحة، والمعلومات تتطاير عبر الأثير في كل مكان على هذا الكوكب، ورغم أننا أصبحنا نسبح في بحر من المعلومات، ولكلٍّ منا حرية الانتقاء والاختيار والقراءة والفهم والاستفادة كيفما يشاء، فإن وفرة المعلومات لم تمنع التضليل، ولم تضمن الأمانة في نقل المعرفة وتوظيفها. فبين الرأي والرأي الآخر، ووجهات النظر المتضاربة والمتعارضة والمتناقضة، يختلط الإعلام الموجَّه بالعشوائي، والمحتوى المضلِّل بالمحتوى القائم على الحقائق..
وفي وسط هذا الزخم، نجد حولنا كثيرين يفتقرون إلى الأمانة المعلوماتية، ويمارسون ما يمكن تسميته «النصب المعلوماتي»؛ فينتقون المعلومات ويوظفونها لتضليل الآخرين وإثبات وجهات نظر تتغير من حين إلى آخر، تبعًا لأغراضهم ومصالحهم. وكثيرًا ما يفتقر هؤلاء إلى الثقافة والوعي والمرجعية المعرفية، بل حتى إلى موقف فكري واضح يمكن مناقشته وفهم منطلقاته..
فتراهم يتحدثون في موضوع لا يحيطون به علمًا، ثم يلجؤون إلى محركات البحث مثل جوجل، أو منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، أو أدوات الذكاء الاصطناعي، ويطرحون أسئلة شديدة السطحية، تكشف صياغتها عن افتقارهم إلى المعرفة بالموضوع. ثم ينتقون من الإجابات ما يوافق أهواءهم، ويحذفون ما يناقض آراءهم، ويقتطعون ما يخدم أغراضهم، دون اعتبار للسياق أو المصدر أو دقة المعلومة..
وفي النهاية، يقول أحدهم للجالسين: «هذا ما يقوله جوجل! وهل ستفهم أكثر من الذكاء الاصطناعي؟ وهل تعرف أكثر مما يُعرض على تيك توك؟». وهكذا تتحول أدوات البحث ومنصات العرض في نظره إلى مرجعيات نهائية لا تقبل المناقشة، يستخدمها لإسكات الآخرين وإخراسهم، وفرض رأيه عليهم تحت ستار المعرفة..
والمشكلة هنا ليست في استخدام هذه الأدوات، بل في التعامل معها باعتبارها سلطة تحسم الحقيقة، وفي توظيفها لتبرير رأي سابق بدلًا من مراجعة هذا الرأي في ضوء ما تكشفه المعلومات. فالأمانة المعرفية تقتضي أن نعرض ما يؤيد آراءنا وما يعارضها، وأن نميّز بين الحقيقة والرأي، وبين الدليل والادعاء، وأن نكون مستعدين لتصحيح أفكارنا حين يتبين خطؤها..
ولكن أمام المثقفين الحقيقيين، وأصحاب العلم والمعرفة القادرين على فحص المصادر ومناقشة الأدلة، تنكشف هذه الأساليب وتسقط حجج أصحابها، مهما استمروا في نصبهم المعلوماتي وخيانتهم للأمانة المعرفية؛ لأن امتلاك وسيلة للوصول إلى المعلومات لا يعني امتلاك المعرفة، وكثرة الاستشهاد لا تعني صحة الاستدلال.
بقلم م.حاتم زهران 
خبير تكنولوجيا المعلومات 
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى