حسن السكري يتساءل:من ميثاق الشركات الناشئة إلى اقتصاد البيانات….ما الذي نحتاجه فعليًا لبناء شركات مليارية؟
خلال حضوري فعاليات قمة RiseUp Summit، التي عقدت مؤخرا ومراسم الإعلان عن ميثاق الشركات الناشئة، كان المشهد لافتًا بكل المقاييس. طاقة إيجابية حقيقية، وحالة توافق نادرة بين الدولة ورواد الأعمال، وإحساس عام بأننا أمام لحظة تحول طال انتظارها في مسار ريادة الأعمال المصرية.
للمرة الأولى، لا نتحدث عن نوايا عامة، بل عن خارطة طريق واضحة بأهداف رقمية، تعكس انتقال الدولة من دور المنظّم التقليدي إلى دور الشريك في بناء المنظومة. هذا التحول وحده يستحق التوقف عنده.
الميثاق – بقراءة موضوعية – يمثل نقلة نوعية في البنية التشريعية لريادة الأعمال. معالجة جريئة لعقبات مزمنة: تأسيس رقمي خلال 24 ساعة، دليل موحد للتراخيص، وآلية تصفية إجرائية خلال 90 يومًا دون غرامات. هذه إجراءات عملية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والشركات الناشئة، وتمنح رواد الأعمال ما افتقدوه طويلًا: الوضوح وسرعة الحركة.
*المحرك موجود… فأين الوقود؟*
وسط هذا التقدم، يظل سؤال استراتيجي مطروحًا:
إذا كان الميثاق قد بنى “المحرّك”، فما هو “الوقود” الذي سيُشغّله؟
عند النظر إلى المشهد التشريعي الحالي، نلاحظ نجاحًا واضحًا في جانب الحماية والامتثال. تفعيل مركز حماية البيانات الشخصية، وصدور اللوائح التنفيذية المنظمة، خطوات ضرورية لبناء الثقة وضبط السوق. لا اقتصاد رقمي دون قواعد تحمي الخصوصية وتضمن الاستخدام المسؤول للبيانات.
لكن هذه المعادلة تظل غير مكتملة إذا اقتصرنا على “الدفاع” فقط.
التشريعات التي تنظم الحماية لا يمكن أن تحل محل السياسات التي تنظم الإتاحة وتدعم النمو.
وهنا تظهر فجوة جوهرية في ميثاق الشركات الناشئة:
غياب سياسة وطنية واضحة للبيانات المفتوحة (Open Data Policy).
الذكاء الاصطناعي لا يبنى بالإعفاءات
ومع اقتراب انعقاد قمة الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا النقاش أكثر إلحاحًا. الحديث عن توطين الذكاء الاصطناعي وبناء نماذج تعلم آلي محلية لا يمكن أن يعتمد فقط على حوافز ضريبية أو تسهيلات إجرائية.
الذكاء الاصطناعي لا يتغذى على الإعفاءات، بل على البيانات.
قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المالية والصحة الرقمية تحتاج إلى إطار تشريعي يتيح الوصول إلى البيانات العامة غير الشخصية: المؤشرات الحضرية، الخرائط الديموغرافية، إحصاءات القطاعات، وبيانات الخدمات. إتاحتها بصيغ رقمية قابلة للمعالجة الآلية يجب أن يُنظر إليه كبنية تحتية أساسية، لا تقل أهمية عن الكهرباء أو الإنترنت.
هذه البيانات ليست رفاهية تنظيمية، بل شرطًا أساسيًا لبناء حلول ذكية، قابلة للتوسع، وقادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
ميثاق الشركات الناشئة هو بلا شك إصدار 1.0 ناجح، منح الشركات الناشئة “تصريح الوجود”، وخفّف أعباء تاريخية كبلت الابتكار لسنوات. لكن إذا كان الهدف هو خلق جيل جديد من الشركات المليارية، وتحقيق أثر حقيقي فنحن بحاجة إلى الإصدار 2.0.
إصدار لا يكتفي بإزالة العوائق، بل يمنح الشركات قدرة فعلية على البناء والنمو.
كما نجحنا في إرساء قواعد الحماية والامتثال، نحتاج اليوم إلى ملاحق تشريعية تتبنى البيانات المفتوحة كرافعة اقتصادية، ضمن إطار حوكمة واضح ومتوازن.
الدولة قامت بجهد كبير في تمهيد الطريق خلال RiseUp.
والخطوة التالية طبيعية ومنطقية: إضاءة هذا الطريق بالبيانات
بقلم : م.حسن السكري
خبير في هندسة النظم والبنية التحتية










