أكد الدكتور رامي فتحي، خبير الأمن السيبراني، أن مفهوم السيادة السيبرانية لا يعني بناء جدران رقمية أو السعي إلى الاكتفاء التكنولوجي الكامل، وإنما يرتبط بامتلاك الدول القدرة على الاختيار والتقييم والتفاوض وتأمين البدائل، بما يعزز استقلاليتها الاستراتيجية ويمنحها موقعًا أقوى داخل سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية.
جاء ذلك خلال مشاركة د. رامي فتحي في جلسة رفيعة المستوى بعنوان “من الأمن السيبراني إلى السيادة السيبرانية: القيادة العالمية من أجل اقتصاد رقمي مرن وتنافسي”، ضمن فعاليات Cyber First Leadership Summit المقام على هامش GISEC Global 2026 في دبي، بمشاركة عدد من القيادات والخبراء في مجال الأمن السيبراني من دول مختلفة.
وشارك في الجلسة كل من معالي الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعالي الشيخ سلمان بن محمد بن خليفة، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للأمن السيبراني في مملكة البحرين، والمهندس محمد السمادي، رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني في الأردن، إلى جانب Sigit Kurniawan، مدير استراتيجية الأمن السيبراني والتشفير في الوكالة الوطنية للأمن السيبراني والتشفير في إندونيسيا، وأدارت الجلسة روضة السعدي من الوكالة الوطنية للأمن السيبراني في دولة قطر.
وأوضح د. رامي فتحي أن “السيادة السيبرانية تُبنى ولا تُعلن”، مشيرًا إلى أن جوهرها يتمثل في قدرة الدولة على اختيار التكنولوجيا ومزودي الخدمات وفق شروط تحقق مصالحها الوطنية، مع امتلاك بدائل وخيارات واضحة في حال تغيرت الظروف أو ظهرت مخاطر استراتيجية.
وقال إن الدولة لا تحتاج إلى بناء كل شيء محليًا حتى تحقق السيادة الرقمية، مؤكدًا أن القدرة على الاختيار يجب أن تُبنى على قدرات وطنية حقيقية تشمل تطوير التكنولوجيا والبدائل، واختبار الأنظمة الحيوية وتقييمها بشكل مستقل، فضلًا عن القدرة على التفاوض على عقود تضمن ملكية البيانات وقابليتها للنقل وإمكانية التدقيق ووجود خيارات عملية للخروج من التعاقد عند الحاجة.
وشدد خبير الأمن السيبراني على أن رأس المال البشري يمثل الأساس الحقيقي للسيادة السيبرانية، موضحًا أن امتلاك البنية التحتية والتقنيات المتقدمة دون وجود الكفاءات القادرة على تطويرها واختبارها وإدارتها والتفاوض بشأنها قد يؤدي إلى خلق أشكال جديدة من الاعتماد التكنولوجي.
وأشار إلى أن بناء القدرات البشرية يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في الاستقلالية الوطنية، وليس مجرد إنفاق على التدريب، خاصة مع التطور المستمر في طبيعة التهديدات السيبرانية والتقنيات الرقمية.
وأوضح د. رامي فتحي أن الترابط التكنولوجي بين الدول والشركات أمر حتمي ومفيد في الاقتصاد الرقمي العالمي، إلا أن الخطر يظهر عندما تعتمد دولة أو مؤسسة على عدد محدود من الموردين دون امتلاك حقوق التدقيق والتشغيل البيني ونقل البيانات وخطط الخروج والبدائل.
وأضاف أن الاعتماد المفرط على مورد واحد أو مجموعة محدودة من الموردين يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف هيكلية، وهو ما يجعل تنويع الخيارات وتعزيز قابلية التشغيل البيني ووضع استراتيجيات واضحة للخروج عناصر أساسية ضمن منظومة السيادة الرقمية.
وأكد خبير الأمن السيبراني أن السيادة الرقمية لا تتعلق فقط بشراء التكنولوجيا أو تطويرها، وإنما تمتد إلى المشاركة الفاعلة في وضع المعايير الدولية التي تحدد مستقبل التقنيات الرقمية.
وأوضح أن المعايير الدولية تؤثر بصورة مباشرة في قابلية التشغيل البيني، والوصول إلى الأسواق، وطبيعة الاعتماد على التقنيات والموردين، ومن ثم فإن مشاركة الدول والمؤسسات الإقليمية في تطوير هذه المعايير تمنحها قدرة أكبر على التأثير في مستقبلها الرقمي بدلًا من الاكتفاء بتطبيق معايير يضعها الآخرون.
ودعا د. رامي فتحي إلى انتقال التعاون الإقليمي من مجرد تبني التكنولوجيا إلى المساهمة في إنتاجها وتطويرها، من خلال تعزيز التعاون بين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير والاتحادات الصناعية والائتلافات التكنولوجية ومنظمات تطوير المعايير الدولية.
وأشار إلى أن هذا النهج، بالتوازي مع الاستثمار في البحث والتطوير وبناء القدرات المؤسسية والمهارات، يمكن أن يدعم الابتكار الإقليمي، ويسهم في توليد الملكية الفكرية والقيمة الاقتصادية، ويعزز قدرة المنطقة على التأثير في المعايير والتقنيات التي ستشكل الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.
واختتم د. رامي فتحي بالتأكيد على أن الهدف من السيادة السيبرانية ليس الوصول إلى الاكتفاء التكنولوجي الكامل أو الانعزال عن المنظومة العالمية، وإنما بناء قدرات وطنية وإقليمية قوية، وإقامة شراكات فعالة، وتحسين القدرة على التفاوض، بما يسمح للدول بالمشاركة في سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية من موقع أكثر قوة واستقلالية.
وأعرب عن تقديره لمنظمي GISEC Global 2026، وللمشاركين في الجلسة، مؤكدًا أهمية الحوار الدولي والإقليمي حول مستقبل السيادة السيبرانية، وكيفية تحقيق التوازن بين التعاون التكنولوجي العالمي وبناء القدرات الوطنية التي تحمي المصالح الرقمية والاستراتيجية للدول.
