أسامة كمال: التحول الرقمي يتطلب بيانات دقيقة ومنظمة
معتز مطاوع : الذكاء الاصطناعي يتيح للبنوك الرد آليًا على نحو 80% إلى 90% من استفسارات العملاء
محمد كريّم : تقييم الجدارة الائتمانية يتجاوز رصد التعثر إلى تحليل السلوك المالي للعملاء
ستيفانو كاميليري : المعايير المغلقة ترفع تكلفة الهوية الرقمية وتحد من مرونة الحكومات
رياض نوار: المؤسسة تخطط لإطلاق برنامج كبير في مصر لتعزيز الثقافة المالية الرقمية
ناقشت جلسة «من الخدمات المصرفية الرقمية إلى التمويل الرقمي: التحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي» سبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات المصرفية وتعزيز كفاءة منظومة التمويل الرقمي، والفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة لتحسين تجربة العملاء وتطوير آليات اتخاذ القرار. وتناولت الجلسة كذلك التحديات المرتبطة بجودة البيانات والأمن السيبراني والاحتيال المالي.
عُقدت الجلسة ضمن فعاليات معرض ومؤتمر «بافكس»، المصاحب للدورة الثلاثين من معرض ومؤتمر «Cairo ICT 2026»، وأدارها أسامة كمال، رئيس شركة «تريد فيرز إنترناشيونال» المنظِّمة للمعرض والمؤتمر.
وتناولت المناقشات مستقبل الخدمات المالية في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ومتطلبات الانتقال من مجرد ميكنة العمليات إلى التحول الرقمي المتكامل، بما يدعم الابتكار ويرفع كفاءة القطاع المصرفي ويوسع نطاق الشمول المالي.
وأكدت أهمية تطوير البنية التحتية والأطر التنظيمية والاستثمار في الكوادر البشرية.
لا ذكاء اصطناعي بلا بيانات دقيقة
أكد أسامة كمال أن التحول الرقمي لا يقتصر على ميكنة العمليات والإجراءات، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تضمن توافر بيانات دقيقة وسليمة، يمكن الاعتماد عليها في تطوير الخدمات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تستطيع التعامل بكفاءة مع البيانات غير المنظمة أو غير الدقيقة، ما يجعل تنقية البيانات وتصحيحها وتحديثها باستمرار ضرورة أساسية، مشيرًا إلى أن ذلك يتطلب جهودًا طويلة ومستمرة. وأشار إلى أن مطالبة البنوك العملاء بتحديث بياناتهم بصورة متكررة، رغم ما قد تسببه من استياء لدى بعض المتعاملين، إجراء ضروري لضمان سلامة قواعد البيانات ودقتها، وأن أهمية هذه الممارسة لا تقتصر على القطاع المصرفي بل تمتد إلى مختلف القطاعات.
الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات فرصة استراتيجية
من جانبه، أكد رامي أبو النجا، نائب محافظ البنك المركزي المصري، أن الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات يمثلان فرصة استراتيجية لتعزيز قدرة البنك المركزي على قراءة التطورات الاقتصادية، وتسريع قرارات السياسة النقدية، وتحقيق الاستقرار النقدي والمالي، إلى جانب تطوير الخدمات المصرفية المقدمة للمواطنين.
وشدد على أن التعامل مع الثورة التكنولوجية لم يعد خيارًا يمكن تجنبه، بل ضرورة تفرض الاستعداد لمتغيراتها والتحوط من مخاطرها. وأشار إلى أن الهدف النهائي هو إتاحة خدمات مالية أفضل للمواطنين، بخيارات أوسع وتكلفة أقل، بما يساعدهم على تحسين قرارات الادخار والإنفاق والتمويل.
وأوضح أن توظيف الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات داخل البنك يستهدف تحسين كفاءة تحليل المؤشرات الاقتصادية، وتسريع الوصول إلى المعلومات، واستشراف الاتجاهات المستقبلية، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية، خاصة فيما يتعلق باستهداف التضخم.
وأشار إلى أن الاعتماد على البيانات التقليدية قد يستغرق وقتًا في تجميعها وإتاحتها، ما دفع البنك المركزي إلى الاستفادة من المؤشرات البديلة، لتكوين صورة أدق وأسرع عن التطورات الاقتصادية، وتعزيز كفاءة القرارات المتعلقة بالسياسة النقدية.
وأضاف أن البنك يعمل على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في عملياته المؤسسية، بما يرفع كفاءة استخدام الموارد ويدعم متخذي القرار في التعامل مع الملفات الاستراتيجية.
وأكد أن المرحلة الحالية تتجاوز التحول الرقمي التقليدي إلى توظيف البيانات والتقنيات الذكية في تطوير القطاع المصرفي والخدمات المالية.
ولفت إلى أن قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 مثّل خطوة مهمة في تهيئة البيئة التشريعية لمواكبة التطورات التكنولوجية، بإدراج أطر تنظيمية لأنشطة المدفوعات والتكنولوجيا المالية.
أربعة محاور لتعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي
حدد أبو النجا أربعة محاور رئيسية لتعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، هي:
– تحديث الأطر التنظيمية والرقابية.
– رفع جودة المعلومات والبيانات.
– ضمان وضوح السياسات والأطر المنظِّمة لاستخدام التكنولوجيا.
– تطوير البنية التحتية والاستثمار في الكوادر البشرية.
وأكد أن الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية وحده لا يكفي لتحقيق الاستفادة القصوى من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما لم يصاحبه تأهيل كوادر بشرية قادرة على التعامل مع الأنظمة والنماذج الذكية وتوظيفها بكفاءة.
وشدد على أهمية تحقيق التوازن بين اقتناص الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية والتحوط من مخاطرها، بما يضمن توظيفها في دعم الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز كفاءة الخدمات المصرفية.
الرد الآلي على 80% إلى 90% من الاستفسارات المتكررة
من جهته، أكد معتز مطاوع، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة ون بانك، أن الذكاء الاصطناعي يتيح للبنوك تحليل سلوكيات العملاء ورصد الأنماط غير المعتادة في تعاملاتهم المصرفية، بما يساعد على اكتشاف العمليات غير الطبيعية والتعامل معها، إلى جانب التنبؤ باحتياجات العملاء وتقديم الخدمات المناسبة في التوقيت الملائم.
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي تشمل استخدام المساعد الصوتي الذكي للرد على استفسارات العملاء، بما يمكّنه من التعامل مع نحو 80% إلى 90% من الأسئلة المتكررة، وهو ما يحسّن كفاءة خدمة العملاء ويسرّع الاستجابة لطلباتهم.
وأضاف أن تحليل بيانات العملاء من أهم مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي، إذ يساعد البنوك على اكتشاف أي تغيرات غير معتادة في أنماط التعامل أو توقيت إجراء العمليات، بما يدعم متابعة المعاملات المصرفية ورصد التحركات التي قد تستدعي التدخل.
وأشار إلى أن احتياجات العميل لم تعد ثابتة، بل تتغير باختلاف التوقيت والظروف حتى بالنسبة للشخص نفسه، ما يجعل تحليل السلوكيات أداة مهمة لفهم احتياجات كل عميل وتحديد الخدمة التي يحتاج إليها في الوقت المناسب.
وأكد أن البنوك الرقمية تستهدف مختلف الفئات العمرية ولا تقتصر على الشباب والأجيال الجديدة، وأن القدرة على استخدام الهاتف المحمول والتعامل مع التطبيقات الرقمية هي الأساس للاستفادة من الخدمات المصرفية الحديثة. وأوضح أن البنوك تبدأ في تحليل أنماط تعاملات العميل وسلوكياته عقب فتح الحساب واستخدام الخدمات، بما يساعدها على فهم احتياجاته وتطوير الخدمات المقدمة إليه.
ولفت إلى أن القطاع المصرفي ينتقل من مرحلة الخدمات البنكية التقليدية والتحول الرقمي إلى مرحلة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، معتبرًا إطلاق «OneBank» خطوة مهمة لمواكبة تطورات التكنولوجيا المصرفية وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة التي تفضل أنماطًا مختلفة في الحصول على الخدمات.
من رصد التعثر إلى تحليل السلوك المالي
أكد محمد كريّم، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «آي سكور»، أن نماذج تقييم الجدارة الائتمانية تشهد تطورًا في آليات عملها، لتتجاوز رصد حالات التأخر في سداد الأقساط أو مستحقات البطاقات الائتمانية، وتعتمد بصورة أكبر على تحليل السلوك المالي للعملاء وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم وفقًا لدخولهم وظروفهم المعيشية.
وأوضح أن التقييم الائتماني لم يعد مجرد سجل لحالات التعثر أو التأخر في السداد، بل أصبح أداة لقياس مدى التزام العميل وقدرته على إدارة أعبائه المالية، بما يتيح للمؤسسات المالية تكوين رؤية أشمل عن موقفه الائتماني واتخاذ قرارات التمويل بناءً على بيانات أكثر دقة.
وأشار إلى اتساع نطاق الاستفادة من نماذج التقييم الائتماني، فلم يعد استخدامها قاصرًا على البنوك، بل امتد إلى مؤسسات غير مصرفية تسعى إلى توظيفها في تقييم العملاء وتحديد أهليتهم للحصول على الخدمات التمويلية.
وأضاف أن تطوير منظومة التقييم الائتماني يرتبط بتكامل عدد من العناصر، في مقدمتها توافر البيانات وجودتها، والأطر التشريعية المنظمة لها، إلى جانب كفاءة نماذج التقييم واستقرارها، بما يدعم توسيع قاعدة العملاء القادرين على الوصول إلى التمويل.
وفيما يتعلق بمعايير التقييم، لفت كريّم إلى أن النماذج الحديثة تراعي التغيرات التي تطرأ على الظروف المعيشية للعميل، مثل الزواج وإنجاب الأطفال وزيادة النفقات المرتبطة بالتعليم. وأوضح أن ارتفاع الالتزامات المالية لا يعني بالضرورة تراجع الجدارة الائتمانية، طالما أن العميل يحافظ على انتظامه في السداد ويلتزم في حدود دخله وقدرته المالية.
أكد أن المعيار الأساسي هو انتظام العميل في الوفاء بالتزاماته المالية والحكومية والمصرفية، لا عدد أفراد الأسرة أو حجم الأعباء المعيشية بمعزل عن قدرته على إدارتها.
وعن توظيف الذكاء الاصطناعي، أوضح أنه عنصر أساسي في تطوير نماذج التقييم الائتماني، عبر تقنيات تعلم الآلة، القادرة على تحليل البيانات الضخمة، والتعامل مع حجم البيانات وتعقيدها بما يتجاوز إمكانات التحليل اليدوي التقليدي.
المعايير المفتوحة طريق الهوية الرقمية الأكثر أمانًا ومرونة
قال ستيفانو كاميليري، رئيس التسويق ورئيس تطوير الأعمال بمجموعة «IDENTIS»، إن ارتفاع تكلفة حلول الهوية الرقمية واعتماد بعضها على معايير تكنولوجية مغلقة يفرضان تحديات على الحكومات والمواطنين، خاصة مع صعوبة الانتقال إلى أنظمة بديلة وارتفاع تكاليف الصيانة والتشغيل بمرور الوقت.
وأضاف أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي عزز الحاجة إلى تطوير حلول للهوية الرقمية تتمتع بمستويات أعلى من الأمان وبتكلفة أقل.
وأشار إلى أهمية الاعتماد على المعايير المفتوحة والمعتمدة دوليًا، ومنها معايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO)، واتحاد شبكة الويب العالمية (W3C) المعني بتطوير معايير تقنيات الويب والتحقق الرقمي.
وأوضح أن أحد أبرز التحديات المرتبطة بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات هو ضمان موثوقية الوكلاء الذكيين (AI Agents) والتحقق من قدرتهم على العمل بصورة آمنة، دون اتخاذ إجراءات قد تضر بمصالح المؤسسات أو المستخدمين.
أشار إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في خفض تكاليف تطوير الخدمات الإلكترونية الجديدة وإطلاقها وتسريع إتاحتها، لافتًا إلى إمكانية استفادة الجهات الحكومية المصرية، ومنها المؤسسات العاملة في قطاع الرعاية الصحية، من هذه التقنيات لإطلاق برامج وخدمات رقمية جديدة بسرعة وبتكلفة مناسبة.
وشدد كاميليري على أن بناء الثقة بين الحكومات ومقدمي الحلول التكنولوجية يتطلب الاعتماد على المعايير المفتوحة، التي تمنح المؤسسات مرونة أكبر في تطوير أنظمتها وتحديثها والاستعانة بمقدمي خدمات مختلفين، بدلًا من الارتهان لحلول احتكارية يصعب الانتقال منها.
ولفت إلى أن بعض برامج الهوية الرقمية التي ظهرت في المراحل الأولى للتحول الرقمي اعتمدت على معايير مغلقة تسيطر عليها شركة واحدة، وهو ما قد يقيد قدرة المؤسسات على تطوير أنظمتها أو تغيير مزودي التكنولوجيا مستقبلًا.
وأكد أن مستقبل الهوية الرقمية يتجه نحو حلول أكثر أمانًا ومرونة وأقل تكلفة، تستند إلى المعايير المفتوحة، وتتجاوز المفهوم التقليدي لبطاقات الهوية البلاستيكية إلى منظومة متكاملة للتحقق الرقمي من الهوية وإثباتها.
برنامج كبير للثقافة المالية الرقمية في مصر
من جانبه، أكد رياض نوار، مدير مجموعة المؤسسات المالية بخدمات الاستشارات الأفريقية، التابعة لمؤسسة التمويل الدولية (IFC)، أن المؤسسة تخطط لتطوير برنامج كبير في مصر يستهدف تعزيز الثقافة المالية الرقمية، مشيرًا إلى أنه سيجري الاعلان عن مزيد من التفاصيل بشأنه خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن الاحتيال في القطاع المالي ليس ظاهرة جديدة، بل تحدٍّ قائم منذ ظهور بطاقات الائتمان والخصم، ويتطلب التعامل معه بجدية عبر تعزيز الشفافية والثقافة المالية وترسيخ ثقة العملاء. واستشهد بتجربة أحد أكبر البنوك في فرنسا، الذي اضطر قبل أيام إلى وقف استخدام جميع بطاقات الائتمان التابعة له لمدة يوم ونصف على الأقل بسبب عمليات احتيال، مشيرًا إلى أن هذه التحديات صاحبت مراحل سابقة من تطور الخدمات المالية الرقمية.
وأضاف أنه يتذكر ارتفاع معدلات الاحتيال في كينيا إلى 20% مع بداية تطوير منصات الأموال عبر الهاتف المحمول نحو عام 2013، في إطار جهود رقمنة القروض البنكية، ما يعكس ارتباط التوسع في الخدمات الرقمية بضرورة تطوير آليات الحماية والرقابة.
الشفافية أولًا ومعايير التمويل المسؤول
شدد نوار على أن الشفافية هي نقطة البداية لمواجهة الاحتيال، موضحًا أنه لا يمكن لأي مؤسسة مالية جذب العملاء والاحتفاظ بهم دون بناء الثقة.
ولفت إلى أن مؤسسة التمويل الدولية أطلقت ما يُعرف بـ«معايير أفضل ممارسات التمويل المسؤول»، وتنفذ أحد أكبر برامجها في أفريقيا بمصر، من خلال اعتماد المؤسسات المالية التي تتبنى هذه المعايير، إلى جانب برنامج عالمي انضمت إليه شركات كبرى.
وأشار إلى دعم المؤسسة لإرشادات البنك الدولي المتعلقة بالتقييم الائتماني، ودورها بوصفها أحد أكبر الداعمين لإنشاء مكاتب الائتمان على مستوى العالم، خاصة في أفريقيا.
اكد حرص المؤسسة، عند مساعدة الحكومات على وضع الأطر المنظِّمة لعمل مكاتب الائتمان، على ضمان حصول العملاء على تقرير ائتماني مجاني مرة واحدة على الأقل سنويًا، وإتاحة التقدم بشكاوى إلى البنك المركزي وتصحيح البيانات حال اكتشاف أي أخطاء.
وأكد أن الحصول على موافقة واضحة وصحيحة من العملاء على استخدام بياناتهم الشخصية يمثل أحد الركائز الأساسية للتمويل المسؤول.
وأشار إلى أن المؤسسات المالية استفادت من أطر متعددة لمواجهة الاحتيال خلال السنوات الماضية، بينما صار الأمن السيبراني التحدي الأبرز في المرحلة الحالية. ولفت إلى أن مواجهة الاحتيال في المعاملات المالية معركة مستمرة، تتطلب الحفاظ على معدلاته عند مستويات يمكن السيطرة عليها.
وأكد أن الاحتيال لا يمثل عائقًا أمام تطور التكنولوجيا المالية أو تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما يتطلب بناء الأدوات والأطر المناسبة لمواكبة هذا التطور.
