
كتب : عزيز المصري
طرحت مجموعة «فوداكوم» ورقة سياسات بعنوان «حوكمة الذكاء الاصطناعي في إفريقيا: إطار قائم على المبادئ للتنظيم المسؤول»، تتضمن مجموعة من التوصيات الرامية إلى مساعدة الحكومات والجهات التنظيمية الأفريقية على تطوير أطر عملية لحوكمة تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، وحماية حقوق الأفراد وخصوصيتهم وضمان الاستخدام المسؤول للأنظمة الذكية.
وتأتي الورقة التي حصلت عليها ICTBusiness في وقت تتسارع فيه وتيرة تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء القارة، بالتزامن مع تفاوت واضح بين الدول في مستويات الجاهزية التنظيمية والبنية التحتية الرقمية والقدرات المؤسسية والمهارات المتخصصة. وترى «فوداكوم» أن نجاح حوكمة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا يتطلب مراعاة هذه الاختلافات، بدلًا من نقل نماذج تنظيمية دولية وتطبيقها بصورة موحدة دون تكييفها مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لكل دولة.
وتؤكد الورقة أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تنظيم، بل حول كيفية بناء منظومة حوكمة تتيح تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها بصورة مسؤولة، وتحد من مخاطرها، وتدعم مشاركة الدول الأفريقية في الاقتصاد الرقمي العالمي، سواء من خلال تطوير الحلول المحلية أو توظيف التطبيقات الذكية في القطاعات الحيوية.
إطار تنظيمي يستند إلى ستة مبادئ أساسية
تقترح «فوداكوم» تأسيس منظومة حوكمة الذكاء الاصطناعي على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية طوال دورة حياة الأنظمة الذكية، بدءًا من التصميم والتطوير، مرورًا بالنشر والتشغيل، وصولًا إلى المتابعة والتقييم.
وتحدد الورقة ستة مبادئ رئيسية ينبغي أن تشكل الأساس المشترك للأطر التنظيمية الأفريقية، تشمل الشفافية وقابلية التفسير، والمساءلة والإشراف البشري، والعدالة وعدم التمييز، والسلامة والأمن، والخصوصية وحماية البيانات، إلى جانب التناسب بين المتطلبات التنظيمية ومستوى المخاطر التي قد تنتج عن استخدام كل نظام.
وتوضح الورقة أن الشفافية لا ينبغي أن تقتصر على الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن تساعد الأفراد على فهم كيفية تأثير هذه الأنظمة في القرارات التي تمس حياتهم أو فرص حصولهم على الخدمات. ولذلك، توصي بتطوير آليات متعددة المستويات للإفصاح، تتضمن معلومات مبسطة للمستخدمين بلغاتهم المحلية، وإفصاحات فنية للجهات التنظيمية القطاعية، ووثائق تفصيلية تتيح للخبراء تقييم أداء الأنظمة.
وفيما يتعلق بالمساءلة والإشراف البشري، تدعو الورقة إلى تحديد المسؤوليات بوضوح بين الجهات التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي وتلك التي تستخدمها أو توظفها في تقديم الخدمات. كما تشدد على أهمية إتاحة قنوات فعالة لتقديم الشكاوى والاعتراض على القرارات المؤثرة في الحقوق الأساسية، مع توفير إمكانية المراجعة البشرية وتصحيح القرارات أو التراجع عنها عند الضرورة.
أما مبدأ العدالة وعدم التمييز، فيستهدف الحد من احتمالات انحياز الأنظمة الذكية إلى فئات بعينها أو استبعاد فئات أخرى، خاصة عندما تعتمد على بيانات تدريب لا تمثل بصورة كافية التنوع السكاني واللغوي والاقتصادي في المجتمعات الأفريقية. وتوصي الورقة بتقييم هذه المخاطر في مراحل تطوير الأنظمة وتشغيلها، مع إيلاء اهتمام خاص بتأثيراتها المحتملة على فرص الحصول على الائتمان والرعاية الصحية والتعليم والعمل والخدمات العامة.
الشركة توصي بتطبيق تدريجي لقواعد تنظيم الذكاء الاصطناعي وفق جاهزية كل دولة.. وتعزيز التنسيق الإقليمي وتوحيد المعايير لدعم الاقتصاد الرقمي الأفريقي
وتشمل المبادئ المقترحة أيضًا ضمان سلامة الأنظمة وأمنها وموثوقيتها، والتعامل مع المخاطر الناجمة عن الأعطال والمخرجات غير الدقيقة والهجمات السيبرانية وسوء الاستخدام، إلى جانب حماية البيانات الشخصية من الجمع أو المعالجة أو التخزين أو المشاركة بصورة غير مشروعة أو غير متناسبة.
وتبرز الورقة أهمية مبدأ التناسب، الذي يقضي بألا تكون الالتزامات التنظيمية واحدة لجميع التطبيقات، بل تتحدد وفق طبيعة المخاطر واحتمالات وقوع الضرر وشدته. ومن شأن هذا النهج توجيه الموارد الرقابية نحو الاستخدامات الأعلى خطورة، مع تجنب فرض أعباء امتثال مفرطة على الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، بما قد يحد من قدرتها على الابتكار والمنافسة.
خصوصية أفريقيا تفرض تكييف النماذج الدولية
استعرضت الورقة عددًا من التجارب الدولية في تنظيم الذكاء الاصطناعي، من بينها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسنغافورة والصين، إلى جانب المبادرات الإقليمية والدولية ذات الصلة، بهدف استخلاص الممارسات التي يمكن الاستفادة منها في بناء نموذج أفريقي أكثر ملاءمة للواقع المحلي.
وتشير «فوداكوم» إلى أن التجربة الأوروبية تقدم دروسًا مهمة في ربط الالتزامات التنظيمية بدرجات المخاطر، لكنها ترى أن نقل نموذجها التنظيمي بصورة كاملة قد لا يكون مناسبًا لجميع الدول الأفريقية، بالنظر إلى ما يتطلبه من موارد مالية وبشرية متخصصة، وقدرات رقابية ومؤسسية قد لا تتوافر بالمستوى نفسه في مختلف الأسواق.
وفي المقابل، تقدم التجربة البريطانية مثالًا على الاستفادة من الجهات التنظيمية القائمة لتطبيق مبادئ مشتركة عبر القطاعات، بينما توضح تجربة سنغافورة أهمية الأدلة الإرشادية والأدوات العملية التي تساعد المؤسسات على تحويل المبادئ العامة إلى ممارسات قابلة للتنفيذ. كما تتناول الورقة النهج الصيني الذي يستهدف تنظيم تطبيقات محددة، لا سيما الاستخدامات ذات المخاطر المرتفعة.
ولا تدعو الورقة إلى تفضيل نموذج دولي واحد على غيره، بل إلى الاستفادة من العناصر القابلة للتطبيق في هذه التجارب، ودمجها ضمن إطار أفريقي يراعي تفاوت مستويات التنمية الرقمية والقدرات التنظيمية، ويستجيب لاحتياجات المجتمعات المحلية.
وتنسجم هذه الرؤية مع استراتيجية الاتحاد الأفريقي للذكاء الاصطناعي الصادرة عام 2024، التي تؤكد أهمية تطوير أطر مرنة وقابلة للتكيف مع ظروف الدول واحتياجاتها، وتعزيز دور القارة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوجيه استخدامها، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك حلول يجري تصميمها وتطويرها في أسواق أخرى.
فجوات البنية التحتية والبيانات والمهارات من أبرز التحديات
تحدد الورقة أربعة عوامل مترابطة ينبغي أخذها في الاعتبار عند وضع أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا، تشمل قيود البنية التحتية، وتحديات حوكمة البيانات، والتفاوت في مستويات الثقافة الرقمية، واستمرار أوجه عدم المساواة والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي.
وفي مجال البنية التحتية، تشير الورقة إلى أن أفريقيا تستحوذ على نحو 1% فقط من القدرة العالمية لمراكز البيانات، مع وجود قرابة 223 مركزًا موزعة على 38 دولة. وترى أن محدودية الاتصال بالإنترنت والقدرات الحاسوبية والبنية التحتية السحابية، إلى جانب تحديات إمدادات الكهرباء وارتفاع تكلفة الاتصال في بعض الأسواق، تؤثر في قدرة الدول الأفريقية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها واستضافتها محليًا.
ولا تقتصر تداعيات هذه الفجوات على تطوير التكنولوجيا، بل تمتد إلى عدالة الوصول إليها. فارتفاع تكلفة البيانات وضعف التغطية في بعض المناطق الريفية والمجتمعات الأقل دخلًا قد يحولان دون استفادة قطاعات واسعة من الخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويزيدان الفجوة بين المجتمعات القادرة على الوصول إلى هذه الأدوات وتلك التي تفتقر إلى البنية الأساسية اللازمة لاستخدامها.
ومن ثم، توصي «فوداكوم» بتشجيع الاستثمار في البنية التحتية المحلية للحوسبة والخدمات السحابية، ودعم البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، وتوسيع قواعد البيانات التي تمثل اللغات والسياقات الأفريقية، فضلًا عن تعزيز إتاحة الاتصال والأجهزة والخدمات الذكية بأسعار مناسبة لمختلف شرائح المجتمع.
وفيما يتعلق بالبيانات، توضح الورقة أن تفاوت التشريعات الوطنية الخاصة بحماية البيانات والأمن السيبراني قد يزيد من التعقيدات أمام الشركات التي تعمل عبر عدة دول، ويرفع تكاليف الامتثال للمتطلبات التنظيمية المختلفة. كما أن الاعتماد على مزودي البنية التحتية الرقمية من خارج القارة يثير تساؤلات بشأن قدرة الدول على الاحتفاظ بالسيطرة المناسبة على بياناتها وطرق تخزينها ومعالجتها.
وتدعو الورقة إلى تحقيق التوازن بين حماية السيادة على البيانات والاستفادة من تدفق البيانات عبر الحدود، بما يدعم الابتكار والوصول إلى الموارد الحاسوبية، مع تجنب فرض متطلبات شاملة لتوطين البيانات قد تقيد تبادلها دون معالجة الأسباب الأساسية للمخاطر. وتؤكد في هذا السياق أهمية تعزيز أطر حماية البيانات وتنسيقها، وتطوير آليات تحمي الخصوصية وتدعم التدفقات العابرة للحدود بصورة مسؤولة.
الثقافة الرقمية والعدالة في استخدام الذكاء الاصطناعي
تولي الورقة اهتمامًا خاصًا لمستويات الثقافة الرقمية باعتبارها شرطًا أساسيًا لتمكين الأفراد من فهم الأنظمة الذكية والتعامل معها وتقييم آثارها. وتنقل عن استراتيجية التحول الرقمي لأفريقيا أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في القارة يبلغ نحو 64%، مقارنة بمتوسط عالمي يصل إلى 86.3%، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود نشر الوعي الرقمي.
وترى «فوداكوم» أن الشفافية التنظيمية وحدها لا تكفي إذا لم يتمكن الأفراد من فهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات التي تؤثر فيهم، أو معرفة الوسائل المتاحة للاعتراض على النتائج غير العادلة. لذلك، توصي بتوسيع برامج التوعية والمهارات الرقمية، وتوفير قنوات للشكاوى والمساعدة تراعي اختلاف اللغات ومستويات الاتصال والقدرة على استخدام الخدمات الإلكترونية.
كما تحذر الورقة من أن الأنظمة الذكية قد تعيد إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة إذا اعتمدت على بيانات لا تمثل بصورة كافية العاملين في الاقتصاد غير الرسمي أو سكان المناطق الريفية أو النساء أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الفئات الأقل حصولًا على التعليم والخدمات الرقمية.
وتشير إلى أن نحو 86% من القوى العاملة في أفريقيا تعمل في القطاع غير الرسمي، وهو ما قد يمثل تحديًا أمام بعض نماذج تقييم الجدارة الائتمانية أو المخاطر إذا اعتمدت حصريًا على البيانات الناتجة عن الأنشطة الاقتصادية الرسمية. وقد يؤدي ذلك إلى استبعاد أفراد من فرص التمويل أو الخدمات، رغم عدم وجود مبرر موضوعي كافٍ لذلك.
ومن هنا، تدعو الورقة إلى تصميم آليات تقييم للعدالة تأخذ في الاعتبار الخصائص الاقتصادية والاجتماعية المحلية، وتختبر احتمالات التحيز والإقصاء قبل نشر الأنظمة وخلال تشغيلها، بما يضمن ألا تتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لترسيخ الفجوات القائمة، بل إلى أداة لدعم التنمية وتوسيع فرص الوصول إلى الخدمات.
نموذج مؤسسي يجمع التنسيق المركزي والرقابة القطاعية
على مستوى الهيكل المؤسسي، توصي «فوداكوم» بتبني نموذج حوكمة هجين يجمع بين وجود جهة مركزية للتنسيق ووضع المعايير العامة، واستمرار دور الجهات التنظيمية القطاعية في تطبيق القواعد والرقابة على الأنظمة المستخدمة داخل نطاق اختصاصاتها.
ويستهدف هذا النموذج الحد من تشتت المسؤوليات وتضارب الاختصاصات، مع الاستفادة من المؤسسات القائمة بدلًا من إنشاء أجهزة تنظيمية مستقلة تتطلب موارد مالية وبشرية كبيرة قد يصعب توفيرها في بعض الدول.
وبموجب المقترح، تتولى جهة تنسيق رئيسية وضع المبادئ والمعايير العامة وتصنيفات المخاطر المشتركة، وتنسيق عمل الجهات المختلفة، والتعامل مع القضايا العابرة للقطاعات التي لا تستطيع جهة تنظيمية واحدة معالجتها بكفاءة. وفي المقابل، تحتفظ الجهات التنظيمية القائمة بمسؤوليات تطبيق المتطلبات وإنفاذها داخل القطاعات التي تشرف عليها، مثل الاتصالات والخدمات المالية والصحة والتعليم.
كما تقترح الورقة الاستعانة بمجلس استشاري متعدد الأطراف يضم الخبرات الفنية وممثلي أصحاب المصلحة، بما يتيح مشاركة أوسع في تطوير السياسات والأدلة التنظيمية. وتشدد على ضرورة تحديد الاختصاصات والمسؤوليات وآليات المساءلة بوضوح، بما في ذلك الشفافية في اتخاذ القرارات وإتاحة التشاور العام بشأن المعايير والتوجيهات المقترحة.
وتطرح الورقة مستويات متدرجة للرقابة تتناسب مع قدرات كل دولة. ففي الحد الأدنى، توصي بإلزام مطوري الأنظمة عالية المخاطر بتوثيق تصميمها وبيانات تدريبها ومؤشرات أدائها. وفي الدول التي تمتلك سلطات فعالة لحماية البيانات، تقترح إجراء تقييمات للأثر قبل نشر الأنظمة التي قد تمس الحقوق الأساسية أو الوصول إلى الخدمات الضرورية.
أما الدول الأكثر نضجًا من الناحية المؤسسية، فيمكنها التوسع في التدقيق المستقل للخوارزميات، وإنشاء سجلات عامة للأنظمة عالية المخاطر، وفرض الإبلاغ عن الحوادث المهمة المرتبطة بها. وتدعو الورقة كذلك إلى استخدام البيئات التنظيمية التجريبية، أو ما يعرف بـ«Regulatory Sandboxes»، بما يسمح باختبار الحلول الجديدة ضمن أطر رقابية محددة قبل توسيع نطاق استخدامها.
خارطة طريق من ثلاث مراحل لتنظيم الذكاء الاصطناعي
تقترح الورقة تنفيذ إطار الحوكمة على ثلاث مراحل، بما يراعي اختلاف مستويات الجاهزية بين الدول الأفريقية، ويجنبها فرض التزامات تنظيمية معقدة قبل توافر المؤسسات والقدرات اللازمة لتطبيقها.
المرحلة الأولى: تأسيس البنية التنظيمية الأساسية. تركز هذه المرحلة على اعتماد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تتوافق مع استراتيجية الاتحاد الأفريقي، وتعزيز التشريعات القائمة أو تحديثها، وتحديد الجهة المسؤولة عن التنسيق، ووضع متطلبات أساسية للشفافية بشأن الأنظمة عالية المخاطر. وتشير الورقة إلى أن تطوير تشريعات حماية البيانات والأمن السيبراني وحماية المستهلك والملكية الفكرية والمنافسة قد يحقق فوائد عملية سريعة، بدلًا من البدء بالضرورة في إنشاء تشريع شامل ومستقل للذكاء الاصطناعي.
وتحدد الورقة مؤشرات للانتقال إلى المرحلة الثانية، تشمل وجود سلطة فعالة لحماية البيانات تتمتع بقدرات إنفاذ، واعتماد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تتضمن مخصصات مالية، وتنفيذ برنامج واحد على الأقل لبناء القدرات التنظيمية والفنية للعاملين في مؤسسات الرقابة.
المرحلة الثانية: تطبيق التنظيم القائم على المخاطر. بعد استكمال الأسس المؤسسية، يمكن للدول البدء في فرض إجراءات أكثر تحديدًا على الاستخدامات الأعلى خطورة، من خلال تقييمات الأثر الإلزامية، وإعداد إرشادات قطاعية للاتصالات والخدمات المالية والرعاية الصحية والتعليم والتوظيف والإدارة العامة والمنصات الرقمية، إلى جانب إنشاء بيئات تنظيمية تجريبية ووضع آليات للإبلاغ عن الأعطال والحوادث الجسيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتقترح الورقة أن يشمل الانتقال إلى المرحلة الثالثة تشغيل بيئة تنظيمية تجريبية واحدة على الأقل، ونشر إرشادات متخصصة للذكاء الاصطناعي من جانب جهتين تنظيميتين قطاعيتين على الأقل، إلى جانب وجود سجل ملموس على ممارسة سلطة حماية البيانات لصلاحيات الإنفاذ في قضية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
المرحلة الثالثة: تطوير منظومة رقابية متقدمة. تستهدف هذه المرحلة توسيع الرقابة على الأنظمة عالية المخاطر، من خلال المراجعات الدورية والتدقيق المستقل وتوثيق الجوانب الفنية ومراقبة الأداء بعد النشر، وإنشاء سجلات وطنية وإقليمية للأنظمة مرتفعة المخاطر، فضلًا عن تطوير أطر متكاملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام.
وتؤكد الورقة أن هذه المرحلة ينبغي أن تتزامن مع دعم منظومات الابتكار المحلية، عبر تمويل البحث والتطوير، وتوسيع مبادرات البيانات المحلية، وتنمية المهارات، والاستثمار في قدرات الحوسبة، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، مع العمل على إتاحة خدمات الذكاء الاصطناعي والاتصال واسع النطاق بصورة أكثر عدالة.
وتشدد «فوداكوم» على أن هذا المسار المرحلي يجب أن يظل مرنًا وقابلًا للتحديث مع تطور التكنولوجيا، من خلال المراجعة الدورية للسياسات والتشاور مع أصحاب المصلحة، وتجنب الإفراط في وضع متطلبات فنية تفصيلية قد تصبح غير ملائمة مع تغير قدرات الأنظمة الذكية.
تنسيق إقليمي لتوحيد المعايير وتسهيل تدفق البيانات
تؤكد الورقة أن الطبيعة العابرة للحدود لأنظمة الذكاء الاصطناعي وتدفقات البيانات والبنية التحتية الرقمية تجعل التنسيق الإقليمي عنصرًا أساسيًا في نجاح الحوكمة. فاختلاف التعريفات وتصنيفات المخاطر ومتطلبات الإفصاح والإبلاغ بين الدول قد يرفع تكاليف الامتثال، ويضع الشركات الناشئة والمبتكرين المحليين في موقف أصعب مقارنة بالشركات العالمية الأكبر حجمًا.
وفي هذا السياق، توصي «فوداكوم» بتطوير تصنيف مشترك لمخاطر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بحيث تخضع التطبيقات المتشابهة لمعايير متقاربة عبر الحدود، بما يقلل فرص استغلال الفجوات التنظيمية ويعزز حماية المستهلكين.
كما تدعو إلى منح التجمعات الاقتصادية الإقليمية دورًا محوريًا في تنسيق السياسات ووضع الأدلة الاسترشادية والترتيبات التي تسمح بالاعتراف المتبادل بالمعايير بين الدول الأعضاء. وترى أن هذا المسار قد يكون أكثر قابلية للتنفيذ من الاعتماد الكامل على اتفاقات قارية ملزمة تتطلب إجراءات طويلة للتصديق والتنفيذ.
وتشمل التوصيات أيضًا إنشاء آليات لتبادل المعلومات بين الجهات التنظيمية بشأن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وإجراءات الإنفاذ والتجارب التنظيمية الناجحة، إلى جانب تفعيل دور مجلس أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الإقليمي المقترح ضمن استراتيجية الاتحاد الأفريقي باعتباره منصة للتنسيق وبناء القدرات، وليس جهة تنظيمية فوق وطنية تنتقص من سيادة الدول.
وتربط الورقة بين توحيد المعايير وتعزيز التكامل الاقتصادي الرقمي في أفريقيا، إذ يمكن لتقارب السياسات دعم تدفقات البيانات الموثوقة عبر الحدود، وتحسين قابلية التشغيل البيني للأنظمة الرقمية، وتسهيل تطوير الخدمات والمنتجات الذكية في أكثر من سوق، بما يتماشى مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
دور القطاع الخاص في بناء منظومة ذكاء اصطناعي مسؤولة
تؤكد الورقة أن تطوير حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي يتطلب تعاونًا بين الحكومات والجهات التنظيمية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية والجهات الدولية، لا سيما في ظل الحاجة إلى خبرات فنية وموارد وقدرات تنفيذية لا تتوافر بالقدر نفسه لدى جميع الدول.
وتطرح «فوداكوم» خبرتها التشغيلية عبر أسواق أفريقية متعددة باعتبارها أحد المصادر التي يمكن أن تسهم في فهم التحديات العملية الناتجة عن اختلاف الأطر التنظيمية والبنية التحتية واحتياجات المستخدمين. وفي الوقت نفسه، تقر الورقة بأن دور الشركة كمشغل للأنظمة الذكية ومساهم في النقاش حول تنظيمها يقتضي الشفافية، وأن توصياتها تمثل مساهمة في الحوار مع صناع السياسات وليست بديلًا عن التقييم التنظيمي المستقل.
وتدعو التوصيات الختامية إلى الاستثمار في الخبرات الفنية والقدرات الرقابية والثقافة الرقمية، وتطوير البنية التحتية للاتصالات والخدمات السحابية والحوسبة والبيانات، مع توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بأسعار مناسبة. كما تؤكد أهمية إشراك القطاع الخاص في تنفيذ السياسات وبناء القدرات وتطوير البنية التحتية ودعم الابتكار المسؤول.
وتخلص الورقة إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا لن يتحدد فقط بقدرة الدول على وضع قواعد تنظيمية، بل بمدى قدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع بين حماية الحقوق، وتعزيز الثقة، وتنمية القدرات المحلية، وتوسيع الوصول إلى التكنولوجيا، وتنسيق السياسات بين الأسواق.
وبحسب رؤية «فوداكوم»، فإن اعتماد إطار قائم على المبادئ، ومتدرج في تطبيقه، ومتكيف مع الظروف المحلية، يمكن أن يساعد الدول الأفريقية على الاستفادة من الفرص الاقتصادية والتنموية للذكاء الاصطناعي، مع الحد من مخاطر التمييز وانتهاك الخصوصية والإقصاء الرقمي، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للابتكار والاستثمار والمنافسة في الاقتصاد الرقمي.











