دخلت مصر مرحلة جديدة وأكثر تعقيدًا في رحلتها نحو التحول الرقمي ،ففي المرحلة الأولى، كانت الأولويات واضحة: التوسع في البنية التحتية الرقمية، ونقل الخدمات الحكومية إلى المنصات الإلكترونية، وبناء الأساس اللازم لاقتصاد رقمي حديث. وخلال هذه الرحلة، أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واحدًا من أسرع القطاعات نموًا، فيما أسهمت مبادرات مثل «مصر الرقمية» في إحداث تحول ملموس في طريقة تقديم العديد من الخدمات.
لكن المرحلة المقبلة تطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل تتحول هذه الاستثمارات الرقمية إلى نتائج أفضل؟
هل أصبح اتخاذ القرار أكثر كفاءة؟ هل أصبحت الخدمات أسرع وأسهل؟ هل أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة والتكيف؟ وهل نجحت التكنولوجيا في خلق قيمة اقتصادية حقيقية؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها أسئلة تهم المواطن والمستثمر وصاحب الشركة على حد سواء.
فالمعيار الحقيقي للتحول الرقمي لا ينبغي أن يكون عدد المنصات التي أُطلقت أو الخدمات التي تم رقمنتها، وإنما مدى تأثيرها على تجربة المستخدم ووقت إنجاز الخدمة وتكلفة ممارسة الأعمال وجودة القرارات.
هل الخدمة الرقمية تسهّل بالفعل رحلة المواطن والمستثمر، أم أنها تكتفي بتحويل الإجراءات الورقية إلى شاشات؟ هل تساهم التكنولوجيا في خفض الوقت والتكلفة؟ هل تُستخدم البيانات لتحسين القرارات الحكومية؟ وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرفع الإنتاجية ويخلق قيمة جديدة؟ والأهم، هل تتعلم المؤسسات من نتائج المبادرات التي تنفذها، أم تنتقل ببساطة إلى المبادرة التالية دون قياس ما تحقق فعليًا؟
من رقمنة الإجراءات إلى إعادة تصميم الخدمات
شهدت مصر بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه ، فمنصة «تراخيص الاستثمار» تمثل نموذجًا لتجميع عدد كبير من الخدمات الحكومية في مسار رقمي واحد، بهدف تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتقليل الوقت اللازم لإنجاز المعاملات. كما وسعت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة نطاق خدماتها الرقمية الموجهة للمستثمرين.
هذه التطورات تمثل تقدمًا مهمًا، لكن رقمنة الإجراء القائم لا تعني بالضرورة إعادة تصميمه ، فالتحول الرقمي الحقيقي لا يتعلق فقط بنقل الأوراق إلى الشاشات، بل بإعادة التفكير في الطريقة التي تُصمم بها الخدمات، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تتدفق المعلومات بين المؤسسات، وكيف يتفاعل المواطن والمستثمر فعليًا مع الدولة.
وهنا تنتقل مصر من سؤال «كيف نرقمن الخدمة؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: «كيف نصمم خدمة أفضل من الأساس؟»
فرصة اقتصادية تتجاوز خفض التكلفة
لا تقتصر أهمية التحول الرقمي على تحسين الخدمات الحكومية، بل تمتد إلى فرصة اقتصادية أوسع ، فمصر تمتلك مجموعة من المقومات التي تؤهلها للعب دور متزايد في الاقتصاد الرقمي العالمي: موقع جغرافي استراتيجي، وقاعدة سكانية كبيرة، وكوادر بشرية متعددة اللغات، وقرب جغرافي وثقافي من أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وقد ساعدت هذه المزايا على نمو قطاع خدمات الأعمال الرقمية وتوسع نطاق الخدمات المقدمة من مصر إلى الأسواق الخارجية، مع انتقال القطاع تدريجيًا من نماذج مراكز الاتصال التقليدية إلى خدمات تكنولوجيا المعلومات والهندسة والبحث والتطوير والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لكن المنافسة المستقبلية لن تُحسم على أساس انخفاض التكلفة وحده ، المستثمرون يبحثون بصورة متزايدة عن بيئة تمتلك بنية تحتية رقمية موثوقة، وأطرًا تنظيمية واضحة وقابلة للتنبؤ، وبيانات قابلة للتشغيل البيني، ومستويات قوية من الأمن السيبراني، وقاعدة من المهارات المتخصصة القادرة على التعامل مع التقنيات الأكثر تقدمًا.
لماذا يصبح «الذكاء الرقمي» أكثر أهمية؟في هذا السياق، يكتسب مفهوم الذكاء الرقمي أهمية خاصة ، فالذكاء الرقمي لا يعني امتلاك المزيد من التكنولوجيا، ولا يقتصر على تبني الذكاء الاصطناعي أو بناء المزيد من المنصات الرقمية. بل يتعلق بقدرة المؤسسات على دمج التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي مع القيادة والحوكمة والمساءلة والتعلم المؤسسي، وتحويل هذا التكامل بصورة مستمرة إلى قرارات أفضل ونتائج أكثر قابلية للقياس.
وبالنسبة إلى مصر، تمتد تداعيات هذا التحول إلى ما هو أبعد من الخدمات الحكومية ، فالذكاء الرقمي يمكن أن يفتح مجالات جديدة للنمو في خدمات الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والحكومة الرقمية، والأمن السيبراني، وبنية البيانات، والبرمجيات المؤسسية.
كما يمكن أن يدعم انتقال مصر تدريجيًا من كونها وجهة تعتمد بدرجة كبيرة على ميزة التكلفة في خدمات التعهيد، إلى مركز أكثر تطورًا لتقديم الخدمات الرقمية، وتنفيذ المشروعات، وتطوير الحلول، ودعم الابتكار على المستوى الإقليمي والعالمي.
المرحلة المقبلة: قياس الأثر وليس عدد المبادرات
الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تغييرًا في طريقة النظر إلى التحول الرقمي نفسه ، نحتاج إلى مسؤوليات واضحة عن النتائج الرقمية، وربط الاستراتيجيات الوطنية بالتنفيذ الفعلي داخل المؤسسات، وإعادة تصميم الخدمات انطلاقًا من احتياجات المستخدم وليس من الهياكل والإجراءات البيروقراطية القائمة.
كما نحتاج إلى جعل البيانات الحكومية أكثر قابلية للتشغيل البيني، مع الحفاظ على مستويات قوية من الأمان والخصوصية، والاستثمار بصورة أكبر في المهارات الرقمية المتخصصة ومهارات الذكاء الاصطناعي.
والأهم، يجب أن تخضع المبادرات الرقمية الكبرى لقياس واضح لأثرها الفعلي: على الإنتاجية، وجودة الخدمات، والاستثمار، والصادرات، وتجربة المواطن ، فالهدف في المرحلة المقبلة ليس إطلاق المزيد من المبادرات الرقمية لمجرد كونها رقمية.
الهدف هو بناء مؤسسات تستطيع أن تتخذ قرارات أفضل، وتنفذ بصورة أسرع، وتتعلم باستمرار من البيانات والنتائج ،وأن تكون مؤسسة رقمية لا يعني أن تمتلك تكنولوجيا أكثر أما أن تكون مؤسسة تتمتع بالذكاء الرقمي، فيعني أن تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق نتائج أفضل، بصورة مستمرة وعلى نطاق واسع.
وهنا تكمن المرحلة التالية في رحلة مصر الرقمية: الانتقال من رقمنة الخدمات إلى بناء مؤسسات أكثر ذكاءً، ومن تبني التكنولوجيا إلى تحقيق أثر اقتصادي ومؤسسي قابل للقياس.
فإذا نجحت مصر في تحقيق هذا الانتقال، يمكن للتحول الرقمي أن يتجاوز كونه طموحًا وطنيًا أو برنامجًا للتحديث، ليصبح ميزة تنافسية مستدامة للاقتصاد المصري.
بقلم :كريم الفاتح
رئيس قطاع التسويق و المبيعات بشركة eServe
