Site icon ICT Business Magazine – أي سي تي بيزنس

محمد حجازي: تسجيل صوت جورجيا ميلوني علامة تجارية لا يعني امتلاك حق مطلق في منع استنساخه بالذكاء الاصطناعي

في تطور يعكس التحديات القانونية المتصاعدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على منظومة الملكية الفكرية، تقدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في 5 أكتوبر 2026، بطلب إلى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية (EUIPO) لتسجيل صوتها علامةً تجارية صوتية، في خطوة تستهدف تعزيز الحماية القانونية ضد استنساخ الأصوات واستخدامها في المحتوى المزيف المُنشأ بالذكاء الاصطناعي. ولا يزال الطلب قيد الفحص، ولم يُعلن عن قبوله نهائيًا حتى الآن.

وفي قراءة قانونية لهذه الخطوة، قال الدكتور محمد حجازي، خبير التشريعات والتحول الرقمي والملكية الفكرية، إن قضية ميلوني تفتح نقاشًا يتجاوز مجرد تسجيل صوت شخصية عامة كعلامة تجارية، لتطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى كفاية القواعد القانونية الحالية لحماية الإنسان من استنساخ صوته وهويته الرقمية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح حجازي أن تسجيل العلامات الصوتية ليس أمرًا جديدًا في النظام القانوني الأوروبي؛ إذ يسمح مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية بتسجيل العلامات التي تتكون من صوت أو مجموعة من الأصوات، شريطة استيفاء المتطلبات القانونية والفنية اللازمة، ومن بينها إمكانية تمثيل العلامة بوضوح ودقة، وقدرتها على تمييز سلع أو خدمات منشأة معينة عن غيرها.

وأضاف أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بإمكانية تسجيل الصوت في حد ذاتها، وإنما بالغرض من التسجيل ونطاق الحماية التي يمكن أن يوفرها. فالعلامة التجارية تستهدف أساسًا تمييز المصدر التجاري للسلع أو الخدمات، ولا تمنح صاحبها بالضرورة احتكارًا عامًا لصوته أو حقًا مطلقًا في منع أي استخدام أو تقليد له في جميع السياقات.

وأشار إلى أن طلب ميلوني يتضمن مقطعًا صوتيًا قصيرًا مدته نحو أربع ثوانٍ، تردد فيه عبارة «Io sono Giorgia Meloni»، أي «أنا جورجيا ميلوني». وتكتسب الخطوة أهميتها من ارتباطها بمحاولات التصدي للمحتوى المزيف الذي يمكن إنتاجه باستخدام تقنيات استنساخ الصوت، والتي باتت تتيح إنشاء تسجيلات شديدة الشبه بالصوت الأصلي دون مشاركة صاحبه في إنتاجها.

العلامة التجارية ليست حماية شاملة للصوت

وأكد حجازي أن قبول تسجيل صوت باعتباره علامة تجارية، حتى في حال حدوثه، لا يعني تلقائيًا منع كل استخدام غير مصرح به لهذا الصوت، موضحًا أن الحماية تظل مرتبطة بطبيعة العلامة والسلع والخدمات التي سُجلت بشأنها، وبالقواعد القانونية المنطبقة على الاستخدام محل النزاع.

وأضاف أن استخدام العلامة التجارية لمواجهة استنساخ الصوت قد يوفر أداة قانونية إضافية في حالات معينة، لكنه لا يغني عن بحث المسألة من منظور أوسع يشمل الحق في الخصوصية، وحماية البيانات الشخصية، والحقوق المرتبطة بالشخصية والهوية، فضلًا عن قواعد الملكية الفكرية وغيرها من الأحكام ذات الصلة بحسب طبيعة الواقعة.

ولفت إلى أن التحدي أصبح أكثر تعقيدًا مع قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأصوات البشرية واستخدامها في سياقات متعددة، من بينها الإعلانات والمكالمات والخطابات السياسية وعمليات الاحتيال، بما قد يوهم المتلقي بأن الشخص المعني هو من أصدر التصريح أو أجرى الاتصال، رغم عدم حدوث ذلك فعليًا.

وشدد على أن خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على الأضرار التجارية، بل تمتد إلى الثقة العامة، وسلامة التواصل الرقمي، وإمكانية استغلال الهوية الصوتية للأفراد دون علمهم أو موافقتهم.

ماذا عن الوضع القانوني في مصر؟

وفيما يتعلق بمصر، أوضح حجازي أن المسألة تثير تساؤلات قانونية تستحق الدراسة بشأن مدى استيعاب الإطار المنظم للعلامات التجارية لتسجيل الصوت المجرد، وحدود الحماية التي يمكن أن توفرها القوانين الحالية في مواجهة استنساخ الأصوات باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى ضرورة التمييز بين تسجيل الصوت كعلامة تجارية، وبين حماية الشخص من الاستخدام غير المشروع لصوته أو هويته الرقمية؛ فلكل مسار طبيعته القانونية وشروطه ونطاق تطبيقه، ولا يمكن افتراض أن نجاح أحدهما يوفر حماية كاملة في المسارات الأخرى.

وأضاف أن التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي يفرض تقييم مدى كفاية الأدوات التشريعية القائمة، وتحديد الحالات التي تتطلب قواعد أكثر وضوحًا بشأن استخدام الأصوات والصور والسمات الشخصية في تدريب الأنظمة الذكية وتشغيلها، وكذلك إنتاج المحتوى الاصطناعي وتوزيعه.

إطار تشريعي متكامل لمواجهة استنساخ الهوية الرقمية

وأكد حجازي أن التعامل مع هذه التحديات لا ينبغي أن يقتصر على توسيع مفهوم العلامة التجارية ليشمل كل صور الهوية الرقمية، بل يتطلب مقاربة قانونية متكاملة تحدد حقوق الأفراد في أصواتهم وصورهم، وتنظم الاستخدامات المصرح بها وغير المصرح بها، وتوضح المسؤوليات القانونية المترتبة على إنتاج المحتوى المزيف أو نشره أو استخدامه للإضرار بالآخرين.

وأوضح أن أهمية قضية ميلوني لا ترتبط فقط بمآل طلب التسجيل، سواء بالقبول أو الرفض، وإنما بما تكشف عنه من فجوة متنامية بين سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرة التشريعات على مواكبة آثارها.

واختتم حجازي بأن الصوت البشري لم يعد مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح عنصرًا من عناصر الهوية الرقمية التي يمكن إعادة إنتاجها آليًا بدرجة عالية من التشابه، وهو ما يستدعي تطوير أدوات قانونية تحقق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية حقوق الأفراد.

وأضاف أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المشرعين في المرحلة المقبلة لم يعد مقتصرًا على إمكانية تسجيل الصوت علامةً تجارية، بل يمتد إلى تحديد نطاق الحقوق القانونية التي يتمتع بها الإنسان في صوته وهويته الرقمية، وكيفية حمايته عندما تصبح الأنظمة الذكية قادرة على التحدث بصوته دون مشاركته أو موافقته.

Exit mobile version