في زمن أصبحت فيه شريحة الهاتف المحمول بمثابة بطاقة هوية رقمية، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى مفتاح للدخول إلى عالم البنوك والمحافظ الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والخدمات الحكومية والتجارية. ولذلك فإن أي تهاون في إصدار أو تسجيل خطوط المحمول لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل قد يتحول إلى كارثة إنسانية وقانونية تدمر حياة أبرياء.
القصة التي أعادت هذا الملف إلى الواجهة تتعلق بطالب جامعي يدعى عمرو عبد الحكيم عمارة من أبناء محافظة الشرقية، يدرس بكلية الحاسبات والمعلومات ويقيم بمدينة أبو كبير، فوجئ بأنه مطلوب لتنفيذ حكم بالسجن المؤبد لمدة 25 عامًا في قضية اتجار وحيازة مواد مخدرة. صدمة يصعب تصورها لشاب في مقتبل العمر لم يكن يتخيل أن اسمه أصبح مرتبطًا بجريمة بهذا الحجم.
وبحسب ما تم تداوله حول الواقعة، فإن بداية المأساة تعود إلى شريحة هاتف محمول تم تسجيلها باسمه بحجة تحقيق التارجيت ثم انتقلت إلى شخص آخر استغلها في أنشطة غير مشروعة، لتصبح هذه الشريحة لاحقًا أحد الخيوط التي قادت إلى توجيه الاتهام إليه قبل أن يبدأ رحلة طويلة لإثبات براءته.
قد تكون هذه الواقعة استثنائية في تفاصيلها، لكنها ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة إذا استمر التراخي في ملف تسجيل خطوط المحمول.
لقد سبق للكثيرين أن اشتكوا من وجود خطوط مسجلة بأسمائهم دون علمهم، أو اكتشاف شرائح لم يسبق لهم شراؤها أو استخدامها. وبعض العاملين السابقين والحاليين في القطاع يدركون جيدًا أن سباق تحقيق “التارجت” والمبيعات كان في أحيان كثيرة سببًا في تجاوزات خطيرة، تم خلالها استخدام صور بطاقات الرقم القومي أو بيانات العملاء في استخراج خطوط جديدة دون علم أصحابها.
المشكلة لا تتوقف عند حدود قضايا المخدرات فقط.فهناك مواطنون وجدوا أنفسهم أطرافًا في قضايا نصب إلكتروني، وآخرون ارتبطت أسماؤهم بوقائع ابتزاز إلكتروني أو رسائل احتيالية أو معاملات مالية مشبوهة بسبب أرقام هواتف لم يستخدموها يومًا. وفي كل مرة تبدأ رحلة شاقة لإثبات الحقيقة، بينما يبقى السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية عن وصول هذه الشرائح إلى أيدٍ مجهولة؟
ففي مصر يوجد أكثر من 130 مليون شريحة محمول مستخدمة فعليًا، وهو رقم يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق شركات الاتصالات والجهات الرقابية. ومع هذا العدد الضخم من الخطوط، لا يزال المواطن يشاهد في بعض المناطق وعلى الأرصفة إعلانات وعروضًا لبيع شرائح محمول مجهولة المصدر أو غير واضحة الوضع القانوني، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول مدى إحكام الرقابة على دورة إصدار وتداول الخطوط.
وليس خافيًا على أحد أن الشرائح مجهولة الهوية كانت في فترات سابقة أداة استخدمت في جرائم متعددة، بداية من عمليات النصب والاحتيال، مرورًا بالابتزاز الإلكتروني، وصولًا إلى بعض الجرائم التي استهدفت الأمن والاستقرار واستغلت صعوبة تتبع المستخدم الحقيقي للشريحة.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبذل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات جهودًا ملموسة لضبط السوق ومراجعة قواعد تسجيل الخطوط ومكافحة المخالفات. لكن الحقيقة أن الجهاز لا يمكنه خوض هذه المعركة منفردًا. فالمعركة تتطلب شراكة حقيقية من شركات المحمول نفسها، لأن حماية المجتمع لا تقل أهمية عن تحقيق مستهدفات المبيعات.
إن البحث عن زيادة عدد المشتركين لا يجب أن يتحول إلى سباق محموم يدفع ثمنه المواطن البسيط. فحفنة من العقود الإضافية أو الأرقام المضافة إلى تقارير المبيعات لا تساوي ضياع مستقبل شاب بريء أو زج مواطن في أروقة المحاكم بسبب خط لم يشتره ولم يستخدمه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة تشريعية جادة لقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، بحيث يتضمن نصوصًا أكثر صرامة تجرم أي تلاعب أو إهمال في عمليات تسجيل الخطوط، مع فرض غرامات مالية كبيرة على الجهات التي يثبت تورطها في إصدار شرائح بالمخالفة للضوابط القانونية أو دون التحقق الكامل من هوية المستخدم الفعلي.
كما ينبغي إلزام شركات المحمول بإجراء مراجعات دورية للخطوط المسجلة، وتمكين المواطنين من الاستعلام السريع والمجاني عن جميع الأرقام المسجلة بأسمائهم، مع إنشاء آليات فورية للإبلاغ عن الخطوط غير التابعة لهم.
إن قضية الطالب الجامعي ليست مجرد قصة فردية، بل جرس إنذار يدق بقوة. فالدولة التي تستثمر مليارات الجنيهات في التحول الرقمي وبناء الجمهورية الجديدة لا يمكن أن تسمح ببقاء ثغرات تهدد حقوق المواطنين وتعرض الأبرياء لمخاطر قانونية جسيمة.
المطلوب اليوم ليس فقط معاقبة المخطئ، بل بناء منظومة تمنع الخطأ من الأساس. لأن شريحة هاتف واحدة مجهولة الهوية قد تكون كفيلة بتدمير مستقبل إنسان، وتشويه سمعته، وإدخاله في معركة لم يخترها يومًا.
وحين يتعلق الأمر بحقوق الناس وحرياتهم ومستقبل أبنائهم، فلا مكان لأي “تارجت” يحقق الربح على حساب العدالة.
بقلم: محمد لطفي
رئيس شعبة محرري الاتصالات بنقابة الصحفيين





