في كل سوق منظم، لا تُقاس كفاءة الجهة التنظيمية فقط بسلامة قراراتها، بل بقدرة المتعاملين معها على التنبؤ بمسار الإجراءات ونتائجها. فاليقين الزمني ليس رفاهية إدارية، بل هو أساس القرار الاستثماري، وشرط لازم لازدهار أي قطاع قائم على المعرفة، وعلى رأسه الأمن السيبراني.
اليوم، يقف قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر أمام لحظة تنظيمية مهمة. ومع تولي المهندس رأفت هندي قيادة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يتطلع مجتمع الشركات والكوادر الوطنية إلى مرحلة جديدة عنوانها الوضوح، والحسم، وقابلية التنبؤ.
عند إطلاق إطار تنظيم الأمن السيبراني، كان الهدف واضحًا: توسيع السوق المنظم، وتمكين الشركات الوطنية من العمل تحت مظلة قانونية مستقرة. وقد لمس القطاع في فترات سابقة روح التعاون البنّاء بين المنظم والشركات، ما عزز الثقة ورسّخ مفهوم الشراكة في بناء منظومة صمود سيبراني حقيقية.
لكن التطبيق العملي كشف عن تباينات زمنية في مدد إصدار الشهادات والاعتمادات، رغم تماثل المتطلبات. شركة تحصل على اعتمادها خلال أسابيع، وأخرى تنتظر لأشهر دون اختلاف جوهري في النشاط. هنا لا تكمن المشكلة في صرامة الإجراء، بل في غياب معيار زمني واضح يُبنى عليه القرار.
السوق يستطيع أن يتكيّف مع أي اشتراطات تنظيمية، لكنه لا يستطيع العمل في ظل زمن مفتوح.
حين تسدد شركة الرسوم التنظيمية، فإنها لا تدفع المال فقط، بل تضع رأسمالها في حالة انتظار. ومع غياب مدة محددة لإنهاء الإجراء، تتحول الرسوم من استثمار قابل للحساب إلى عبء غير محسوب.
التكلفة هنا ليست رقمًا على ورق، بل عقود مؤجلة، وفرص ضائعة، وابتكارات مجمدة. وفي قطاع سريع الإيقاع كالأمن السيبراني، قد يعني التأخير فقدان ميزة تنافسية بالكامل.
لهذا، لا يمكن فصل فلسفة الرسوم عن زمن الخدمة. فالتكلفة المقبولة مع إطار زمني واضح تصبح جزءًا من بيئة استثمارية مستقرة. أما مع غياب المدة، فإنها تتحول إلى حاجز نمو، خصوصًا أمام الشركات الناشئة والمصنعين المحليين الذين يمثلون العمود الفقري للابتكار الوطني.
التنظيم الفعال لا يقتصر على وضع الشروط، بل يشمل إدارة الدورة الإجرائية كاملة. المتعامل لا يرى تعدد الجهات أو المراحل، بل يرى جهة منظمة مسؤولة عن اكتمال المسار من بدايته إلى نهايته.
ولهذا، فإن إقرار إطار زمني معلن (Service Level Agreement) عبر منصة رقمية متكاملة، يمثل خطوة جوهرية نحو حوكمة حديثة. ليس الهدف تسريع غير مدروس، بل استقرار قابل للقياس. يمكن عندها تتبع متوسط زمن الاعتماد، وعدد الطلبات قيد الانتظار، ومؤشرات الأداء التنظيمي بصورة شفافة.
إلى جانب ذلك، فإن مراجعة فلسفة الرسوم عبر تقييم أثر تنظيمي (Regulatory Impact Assessment) ستعزز مواءمة السياسات مع أهداف دعم الاستثمار الوطني وتحفيز النمو المستدام.
الأمن السيبراني ليس نشاطًا منفصلًا عن بقية الاقتصاد الرقمي. تأخر اعتماد شركة يعني تأخر تعاقدات، وتأخر تقارير فنية، وربما تأخر مشروعات لدى جهات أخرى تعتمد على وضوح الوضع التنظيمي ، كما أن الكفاءة التنظيمية إذن ليست مسألة إجرائية داخلية، بل عنصر مباشر في سرعة دوران السوق بأكمله.
القطاع اليوم لا يطلب تخفيفًا في المعايير، ولا تجاوزًا للاشتراطات. ما يطلبه ببساطة هو «مسطرة واحدة» وإطار زمني واضح يعرف الجميع كيف يبدأ الإجراء… ومتى ينتهي.
وضوح القاعدة الزمنية لا يسهل الالتزام فقط، بل يجعل القرار الاستثماري قابلاً للحساب. وهذا هو الشرط الذي تُبنى عليه كفاءة الأسواق المنظمة.
فالكفاءات المصرية المبدعة في الأمن السيبراني تتطلع إلى بيئة تنظيمية تمنحها الثقة بأن نموها المهني يمكن أن يتحقق داخل الوطن. توحيد المعايير الزمنية ليس تيسيرًا، بل استكمال لوظيفة التنظيم في تحقيق الاستقرار وتكافؤ الفرص.
فالتنظيم يُقاس بقدرة السوق على التنبؤ بنتائجه بقدر ما يُقاس بسلامة إجراءاته.
والوقت — في اقتصاد المعرفة — ليس عنصرًا محايدًا. إنه إما أن يكون محفزًا للنمو… أو عائقًا له.
بقلم : م.محمود توفيق
الرئيس التنفيذي لشركة فيكسد سوليوشنز










