كنتُ قد أشرتُ في مقالٍ سابق نُشر يوم السبت الماضي إلى وجود فجوة تنظيمية بين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وهيئة الرقابة المالية، وذلك على ضوء قيام الهيئة بإصدار تعليمات – عبر البريد الإلكتروني – بقصر قبول تقارير الأمن السيبراني على الشركات «المعتمدة» من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
وفي المقابل، أقرّ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في مكاتبة رسمية صادرة عن رئيسه، بعدم وجود إطار زمني محدد لاعتماد الشركات أو لتوفيق أوضاعها، وهو ما يثير تساؤلات موضوعية وقانونية لدى المعنيين بقطاعي الأمن السيبراني والقطاع المالي غير المصرفي، من بينها:
-
لماذا تُصدر أطر تنظيمية في غياب بنية مؤسسية جاهزة للتنفيذ من حيث المدد الزمنية، والإجراءات الواضحة، وآليات العمل المحددة؟
-
ما الأثر المتوقع لاعتماد هذه الأطر، وفرض رسوم إضافية، وزيادة الأعباء التنظيمية على العقود القائمة، وعلى الشركات الناشئة، وعلى نمو القطاع ككل؟
-
وفي ضوء الممارسات التنظيمية الرشيدة، التي تُقرّ بضرورة إجراء تقييم الأثر التنظيمي (Regulatory Impact Assessment) قبل اعتماد القرارات ذات التأثير الاقتصادي، مع تحديث هذا التقييم كلما استدعت المتغيرات ذلك، يثور التساؤل حول مدى اتباع هذه المنهجية بشكل مؤسسي، وبمشاركة الأطراف ذات الصلة (Stakeholders).
ويضع هذا الواقع الشركات أمام مسار يُشبه الحلقة المفرغة، تتوقف فيه قرارات جهة على إجراءات لم تُحسم زمنيًا لدى جهة أخرى، بما يستدعي تدخلًا قياديًا رشيدًا لإيجاد حلول عملية متوازنة، ومتسقة مع مقتضيات المشروعية وحسن سير المرافق العامة.
إن غياب المدد الزمنية والإجراءات الواضحة ليس تفصيلًا إداريًا، بل عنصرًا جوهريًا لوجود الاستثمار ونموه؛ فالقدرة على التنبؤ تمثل حجر الأساس لأي قرار اقتصادي. المستثمر لا يطلب معاملة تفضيلية، بل إطارًا واضحًا: متى يتقدم؟ كيف يُراجع طلبه؟ خلال كم يوم أو شهر يصدر القرار؟ وما مراحل الاعتماد؟ وعندما تغيب هذه العناصر، يتحول التنظيم من عامل استقرار إلى مصدر دائم لعدم اليقين، في ظل غياب إطار إجرائي موحد وناضج.
وعندما تصبح جهة تنظيمية واحدة مرجعية لقطاعات أخرى دون وضوح كافٍ في الإجراءات أو المدد الزمنية، تتحول فجوة التنفيذ إلى كلفة حقيقية تُلقي بظلالها على استقرار الاقتصاد الوطني ونموه واستدامته.
وفي الواقع العملي، لم يعد تنظيم الأمن السيبراني محصورًا داخل قطاع الاتصالات وحده؛ إذ أصبحت القرارات والإشارات التنظيمية الصادرة عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مرجعية لجهات رقابية أخرى، من بينها هيئة الرقابة المالية، عند تقييم الامتثال واعتماد تقارير مقدمي خدمات التكنولوجيا والأمن السيبراني.
وهنا تبرز المعضلة الجوهرية:
عندما تعتمد جهة تنظيمية على مخرجات جهة أخرى غير محددة زمنيًا أو غير موحدة إجرائيًا، ينتقل عدم الوضوح من قطاع إلى آخر.
ففي عدد من الحالات العملية، تتوقف قرارات رقابية لاحقة على تصنيفات أو تراخيص لا تزال «قيد المراجعة». ومع غياب مدد حسم معلنة، أو اختلاف التفسيرات من حالة إلى أخرى، تجد الجهة التالية نفسها مقيدة بقرار غير مكتمل، بما يؤدي إلى تعطيل متسلسل وإرباك في السياسات التنفيذية.
ويتفاقم هذا الأثر مع اتساع مساحة التقدير غير المقنن داخل بعض المسارات الإجرائية، في ظل غياب معايير مكتوبة تضبط القرار. وهنا لا تكمن المشكلة في الاجتهاد ذاته، بل في غياب إطار إجرائي موحد يجعل القرار غير قابل للتنبؤ، ليس فقط للشركات، بل – في بعض الأحيان – للجهات التنظيمية الأخرى ذاتها.
التكييف القانوني
من زاوية القانون الإداري، فإن استمرار ترك ملفات إصدار شهادات الترخيص أو الاعتماد دون حسم زمني واضح قد يُكيَّف – وفقًا لمبادئ القضاء الإداري المستقرة – كصورة من صور القرار الإداري السلبي، حيث يقع على الجهة المختصة واجب قانوني باتخاذ قرار خلال مدة معقولة.
وهو ما قد يُعد مخالفة قانونية من جهات يُفترض أن تكون مثالًا لاحترام القانون.
وتزداد خطورة هذا التكييف عندما يترتب على هذا الامتناع تعطيل جهات تنظيمية أخرى لاعتمادها على هذه القرارات كمرجعية، بما قد يضع الكيانات الخاضعة للرقابة في وضع قانوني معقد مع مقدمي الخدمات، دون أن يكون أي طرف قد قصّر في الوفاء بالتزاماته القانونية المعقولة، وهو ما قد يفتح المجال لمنازعات قضائية تُلقي بعبء غير مبرر على أطراف التعاقد، وتؤثر سلبًا في نمو القطاع.
رسالة إلى قيادة هيئة الرقابة المالية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
إن السوق والمتخصصين يُقدّرون الجهود المبذولة، غير أن تطوير الإجراءات داخل الجهة المرجعية، وتقليص مساحة التقدير غير المقنن، وربط القرارات بمدد زمنية معلنة، لم يعد تحسينًا إداريًا داخليًا فحسب، بل شرطًا أساسيًا لسلامة القرار التنظيمي على مستوى الدولة، ولتعزيز الثقة واليقين في بيئة الاستثمار.
ومع تولي قيادة جديدة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ذات خبرة ممتدة وسجل مهني مشرف، تبرز فرصة حقيقية لإعادة ضبط هذا الإيقاع المؤسسي عبر تنسيق المرجعيات، وتوحيد المسارات الإجرائية، ووضع أطر زمنية واضحة للقرارات ذات الأثر العابر للقطاعات.
الخلاصة
التنظيم الفعّال لا يُقاس بقوة كل جهة على حدة، بل بمدى انسجامها القانوني والإجرائي مع بقية المنظومة.
فحماية المستقبل الرقمي تبدأ من وضوح التنفيذ، وشفافية الإجراءات، وتعزيز تكافؤ الفرص.
م.محمود توفيق
الرئيس التنفيذي لشركة فيكسد سوليوشنز









