كتبت : مروة منير
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا تناول تطورات سوق التمويل الاستهلاكي عالميًا ومحليًا، وأهميتها الاقتصادية، وأبرز الاتجاهات التي تعيد تشكيل السوق في ضوء التوسع في التكنولوجيا المالية ونماذج التمويل الرقمي، إلى جانب استعراض تطورات النشاط في مصر والإجراءات التنظيمية والرقابية التي شهدها القطاع خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح التحليل أن سوق التمويل الاستهلاكي تشهد نموًا متواصلًا مدفوعًا بزيادة الطلب على الحلول الائتمانية المرنة، والتوسع في التكنولوجيا المالية، وظهور نماذج جديدة للتمويل الرقمي، بالتوازي مع تحديات تتعلق بأعباء المديونية ومخاطر التعثر وحماية المستهلك، بما يعزز أهمية تحقيق التوازن بين توسيع فرص الحصول على التمويل والحفاظ على سلامة السوق والقدرة على السداد.
96.3 مليار جنيه تمويلات استهلاكية في مصر
وكشف التحليل عن توسع ملحوظ في نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت قيمة التمويلات من نحو 8.4 مليارات جنيه في 2020 إلى نحو 96.3 مليار جنيه في 2025، بما يمثل أكثر من 11 ضعفًا خلال 5 سنوات.
كما ارتفعت قيمة التمويل خلال 2025 بنسبة 57.1% مقارنة بنحو 61.3 مليار جنيه في 2024. وأظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن عدد تراخيص شركات التمويل الاستهلاكي بلغ 48 رخصة بنهاية 2025، فيما تجاوز عدد المستفيدين 10.8 ملايين عميل، بقيمة تمويلات تخطت 96.3 مليار جنيه.
ويرتبط هذا النمو بالدور الذي يؤديه التمويل الاستهلاكي في تعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين، ودعم مبيعات الشركات وتنشيط الطلب المحلي، فضلًا عن مساهمته في توسيع نطاق الشمول المالي وإتاحة الخدمات المالية لشرائح أوسع من المجتمع.
كما يدعم النشاط التحول الرقمي في القطاع المالي من خلال التوسع في استخدام التطبيقات الرقمية، والعقود الإلكترونية، والمدفوعات الإلكترونية، وأدوات الاستعلام والتقييم الائتماني.
السيارات والسلع والخدمات ضمن مجالات التمويل
وتعرّف الهيئة العامة للرقابة المالية التمويل الاستهلاكي بأنه النشاط الذي يهدف إلى توفير التمويل اللازم لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية، على أن يتم سداد التمويل على أقساط خلال فترة لا تقل عن 6 أشهر.
ويشمل النشاط عددًا من السلع والخدمات، من بينها السيارات وقطع الغيار، والأثاث وتجهيزات المنازل، والسلع المعمرة، والملابس والأحذية والساعات، والمستلزمات الطبية والتجميلية، إلى جانب الخدمات التعليمية والطبية، واشتراكات الأندية الرياضية، وصيانة السيارات والأجهزة والمعدات الاستهلاكية، والسفر والسياحة، والتشطيبات والتجهيزات المنزلية، وحلول الطاقة المتجددة للمنازل.
التشريعات والرقابة تعيد تنظيم السوق
وأشار التحليل إلى أن النمو الذي شهده القطاع تزامن مع تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي والرقابي، استنادًا إلى القانون رقم 18 لسنة 2020 بشأن تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، وتعديلاته بموجب القانون رقم 158 لسنة 2022، إلى جانب القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية.
وشهد 2026 خطوات إضافية لتعزيز مفهوم «التمويل المسؤول»، من خلال إجراءات تستهدف رفع مستويات الشفافية والحوكمة، وتعزيز حماية العملاء، وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية، والحد من مخاطر الاحتيال والإفراط في الاستدانة.
وفي هذا الإطار، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية في 5 سبتمبر 2026 أول دليل شامل لقواعد وضوابط نشاط التمويل الاستهلاكي، يجمع القواعد والقرارات والتعليمات المنظمة للنشاط في مرجع موحد، ويغطي مراحل التأسيس والترخيص والحوكمة والرقابة الداخلية، وممارسة النشاط والملاءة المالية وعقود التمويل.
كما تضمن الدليل ضوابط لحماية المتعاملين والإفصاح عن تكاليف التمويل ومصروفاته ومخاطره، إلى جانب قواعد تقييم الجدارة الائتمانية وإدارة المخاطر ومتطلبات التحول الرقمي والأمن السيبراني.
OTP وتحليل السلوك لتعزيز الجدارة الائتمانية
وفي إطار تعزيز حماية العملاء، ألزمت الهيئة شركات وجهات التمويل الاستهلاكي بتطبيق منظومة استخدام رمز التحقق OTP عند إبرام عقود التمويل وعند استخدام التمويل، بما يدعم التحقق من هوية العملاء والرصد المبكر لمحاولات انتحال الهوية أو استخدام بيانات شخصية غير صحيحة.
كما واصلت الهيئة تطوير آليات تقييم الجدارة الائتمانية، من خلال إلزام شركات التمويل الاستهلاكي بالتعرف على تقييم التحليل السلوكي للعملاء باستخدام البيانات البديلة عبر شركة الاستعلام الائتماني «آي سكور»، ومراعاة نتائج هذا التقييم عند اتخاذ قرارات منح التمويل، إلى جانب إجراء تحقق رقمي من بيانات العملاء.
ومن المقرر بدء الاستعلام عن التقييم القائم على التحليل السلوكي باستخدام البيانات البديلة في 1 أبريل 2027، بما يستهدف رفع كفاءة قرارات منح الائتمان والحد من احتمالات التعثر وعدم السداد.
وعلى المستوى العالمي، أشار التحليل إلى استمرار نمو سوق التمويل الاستهلاكي، مع توقعات بارتفاع حجم السوق من نحو 1.69 تريليون دولار في 2025 إلى نحو 1.81 تريليون دولار في 2026، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.9%.
ومن المتوقع أن يصل حجم السوق العالمية إلى نحو 2.38 تريليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 7.1%، مدفوعًا بسرعة تبني منصات الإقراض الرقمية، والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم الجدارة الائتمانية، ونمو خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» (BNPL)، والإقراض متناهي الصغر، وزيادة الشمول المالي في الأسواق الناشئة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق الائتمان
وأكد التحليل أن التكنولوجيا تمثل أحد أبرز محركات التحول في سوق التمويل الاستهلاكي عالميًا، مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المعاملات والأنماط السلوكية للعملاء، وتقييم الجدارة الائتمانية، وتصميم منتجات وشروط تمويل وجداول سداد أكثر ملاءمة لاحتياجات المقترضين.
ومن شأن هذه التقنيات تحسين إدارة المخاطر ورفع كفاءة قرارات منح الائتمان، مع تقليل الاعتماد على النماذج التقليدية وحدها في تقييم قدرة العملاء على السداد.
كما تتنامى منتجات التمويل الاستهلاكي الأخضر والمستدام، مع اتجاه جهات التمويل إلى تقديم شروط تفضيلية لتمويل الأصول الصديقة للبيئة، مثل السيارات الكهربائية وأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية وحلول تحسين كفاءة استخدام الطاقة.
