معلومات الوزراء: الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتجارة الإقليمية محركات رئيسية للنمو العالمي خلال العقد المقبل

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، العدد الأول من نشرته الدورية الجديدة «المستقبل في عيون العالم»، التي تستهدف رصد وتحليل أبرز التحولات والاتجاهات المستقبلية التي تتناولها مراكز الفكر والمؤسسات البحثية الدولية، واستشراف انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد العالمي ومختلف القطاعات التنموية، بما يعزز المعرفة الاستشرافية ويدعم عملية صنع القرار.
وتنطلق النشرة من أن العالم يشهد مرحلة من التحولات المتسارعة في محركات النمو ومصادر القوة الاقتصادية، مع تزايد أهمية التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والبنية التحتية والتكتلات التجارية، في مقابل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والمناخية واتساع الفجوات التنموية بين الدول. وتسعى النشرة إلى تقديم صورة متكاملة لهذه التحولات، مع الاهتمام بدلالاتها بالنسبة للاقتصادات الناشئة والنامية، ومن بينها مصر.
ثلاثة محركات رئيسية قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل
استعرضت النشرة رؤية البنك الدولي بشأن إمكانية أن يشهد عقد الثلاثينيات من القرن الحالي تحولًا اقتصاديًا عالميًا مهمًا، مدفوعًا بثلاثة محركات رئيسية للنمو، تتمثل في الذكاء الاصطناعي، والتحول إلى الطاقة النظيفة، وتعميق التجارة الإقليمية.
وأشار البنك الدولي إلى بلوغ الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة نحو ٢.٢ تريليون دولار خلال عام ٢٠٢٥، متجاوزة استثمارات الوقود الأحفوري، بالتزامن مع اتساع نطاق الاتفاقيات التجارية الإقليمية، التي ارتفع عددها من أكثر من ٣٠٠ اتفاقية عام ٢٠٢٠ إلى نحو ٤٠٠ اتفاقية حاليًا، لتغطي نحو ٦٠٪ من التجارة العالمية، مقارنة بنحو ٤٠٪ عام ١٩٩٠.
وفي المقابل، حذر البنك الدولي من أن فرص الاستفادة من هذه التحولات لن تتوزع بالتساوي بين الدول، خاصة في ظل استمرار الفجوة الرقمية؛ إذ تستحوذ الاقتصادات النامية على أقل من ربع القدرات العالمية لمراكز البيانات، بينما لا تتجاوز حصة أفقر ٢٤ اقتصادًا نحو ٠.١٪ منها، بما ينذر باتساع الفجوة التنموية إذا لم تتمكن تلك الاقتصادات من تطوير بنيتها التحتية الرقمية وقدراتها التكنولوجية.
وتبرز هذه الاتجاهات أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والطاقة، وتعزيز القدرة على الاندماج في سلاسل القيمة والتجارة الإقليمية، باعتبارها محددات متزايدة الأهمية للتنافسية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
تصاعد عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي
وتناولت النشرة نتائج الاستطلاع العالمي الذي أجرته مؤسسة «ماكينزي» خلال الفترة من ٢٧ مايو إلى ٥ يونيو ٢٠٢٦، والذي أظهر تزايد التشاؤم بشأن الأوضاع الاقتصادية العالمية، حيث أفاد ما يقرب من ثلثي المشاركين بأن الاقتصاد العالمي شهد تدهورًا خلال الأشهر الستة السابقة، وهي أعلى نسبة تُسجل منذ يونيو ٢٠٢٢.
وأرجع الاستطلاع هذه التوقعات إلى استمرار التوترات الجيوسياسية، واضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتقلبات أسعار الطاقة، والضغوط التضخمية، ومخاطر اضطراب سلاسل التوريد، بما يدفع العديد من الشركات إلى اتباع سياسات استثمارية أكثر تحفظًا.
وتشير هذه النتائج إلى أن حالة عدم اليقين لم تعد مجرد عامل طارئ يؤثر في الاقتصاد العالمي، بل أصبحت أحد الاعتبارات الرئيسية التي تؤثر في قرارات الاستثمار والتجارة والتوسع الإنتاجي.
أربعة سيناريوهات لمستقبل التنمية المستدامة بعد عام ٢٠٣٠
كما استعرضت النشرة دراسة صادرة عن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، تناولت أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بعد عام ٢٠٣٠، في ضوء التوترات الجيوسياسية وتراجع فرص تحقيق عدد كبير من الأهداف الحالية.
وتتراوح هذه السيناريوهات بين عدم التوصل إلى أجندة تنموية عالمية جديدة، أو ظهور أجندات إقليمية ودولية متعددة تعكس تباين الأولويات والمصالح، أو تمديد العمل بأجندة التنمية المستدامة الحالية، وصولًا إلى إمكانية التوافق على أجندة عالمية جديدة تعطي أولوية أكبر للاحتياجات الأساسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف هذه السيناريوهات عن احتمال حدوث تغيرات جوهرية في منظومة التعاون الدولي وأولويات التمويل التنموي خلال المرحلة المقبلة، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على الاقتصادات النامية وقدرتها على تمويل أهدافها التنموية.
الطاقة النووية تعود إلى صدارة الخيارات الاستراتيجية عالميًا
وسلطت النشرة الضوء على تقرير وكالة الطاقة النووية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بشأن مستقبل القدرات النووية العالمية حتى عام ٢٠٥٠ وما بعده.
وأوضح التقرير أن مستقبل الطاقة النووية يتوقف بدرجة كبيرة على السياسات والاستثمارات التي ستتبناها الدول خلال العقود المقبلة، حيث تتراوح القدرة النووية العالمية المتوقعة بحلول عام ٢٠٥٠ بين ٣٤٧ جيجاوات في السيناريو المنخفض و١٣٢٤ جيجاوات في السيناريو التحولي الأكثر طموحًا.
وفي سيناريو استمرار الاتجاهات الحالية، يُتوقع أن تصل القدرة النووية العالمية إلى نحو ٦١٩ جيجاوات، مقابل ٨٨٣ جيجاوات في السيناريو الطموح الذي يفترض تسريع تنفيذ المشروعات والتوسع في المفاعلات الصغيرة وتمديد العمر التشغيلي للمفاعلات القائمة.
وتعكس هذه السيناريوهات تزايد الاهتمام الدولي بالطاقة النووية باعتبارها أحد الخيارات الاستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، وتنويع مصادر توليد الكهرباء، وخفض الانبعاثات الكربونية.
استثمارات ضخمة لإعادة تشكيل البنية التحتية العالمية
وفي إطار رصد أبرز المؤشرات المستقبلية، أشارت النشرة إلى أن شبكات الكهرباء العالمية ستحتاج إلى استثمارات تتجاوز ٢٢.٥ تريليون دولار حتى عام ٢٠٥٠، في ظل التوسع المتوقع في الطلب على الكهرباء والتحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
كما تناولت التوجهات العالمية في قطاع الطيران، حيث يستهدف الاتحاد الأوروبي الوصول بنسبة استخدام وقود الطيران المستدام إلى ٧٠٪ بحلول عام ٢٠٥٠، إلى جانب التوسع في القدرات النووية بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي يُتوقع أن تصل إلى نحو ٢٢٩ جيجاوات بحلول عام ٢٠٣٥، بنمو يتجاوز ٧٠٪، بقيادة الصين والهند.
وفي قطاع النقل، استعرضت النشرة تقديرات تشير إلى الحاجة إلى استثمارات عالمية بنحو ١.٢ تريليون دولار بحلول عام ٢٠٣٠ لتكييف البنية التحتية للنقل مع تداعيات تغير المناخ، بما يعكس تزايد الأعباء الاستثمارية المرتبطة بحماية الأصول والبنية التحتية من المخاطر المناخية.
تغير المناخ والتحولات السكانية يعيدان رسم خريطة المخاطر والفرص العالمية
وتناولت النشرة التقديرات المستقبلية للخسائر الاقتصادية المحتملة المرتبطة بتغير المناخ، والتي تشير إلى تفاوت كبير في حجم التأثيرات بين المناطق الجغرافية، مع تعرض عدد من الاقتصادات النامية، وخاصة في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، لمخاطر اقتصادية ومناخية مرتفعة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
كما رصدت التحولات الديموغرافية المتوقعة حتى منتصف القرن، حيث يُرجح أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم ٦٥ عامًا فأكثر عالميًا إلى نحو ١.٦ مليار نسمة بحلول عام ٢٠٥٠، مع تركز غالبية كبار السن في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وفي المقابل، يُتوقع أن يبلغ متوسط العمر في إفريقيا نحو ٢٦.٧ عامًا بحلول عام ٢٠٥٠، بما يعزز مكانة القارة باعتبارها أحد أهم المصادر المستقبلية للقوى العاملة الشابة والمواهب البشرية، شريطة الاستثمار في التعليم والتأهيل والمهارات وتوفير فرص العمل المنتجة.
قراءة مستقبلية للتحولات العالمية وانعكاساتها على مصر
وأكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن أهمية رصد هذه الاتجاهات لا تقتصر على متابعة التطورات العالمية، وإنما تمتد إلى فهم انعكاساتها المحتملة على أولويات التنمية في مصر، خاصة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والتنافسية الصناعية، والتجارة الإقليمية، وتطوير البنية التحتية، والتكيف مع تغير المناخ، وتنمية رأس المال البشري.
وتشير الاتجاهات التي تناولتها النشرة إلى أن القدرة على الاستفادة من فرص الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة ستعتمد بصورة متزايدة على جاهزية البنية التحتية، وتوافر المهارات، والقدرة على جذب الاستثمارات النوعية، والاندماج في شبكات الإنتاج والتجارة الدولية.
وفي هذا الإطار، تأتي نشرة «المستقبل في عيون العالم» ضمن جهود مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لتعزيز الرصد الاستباقي للتحولات الدولية، وإتاحة المعرفة المستقبلية لصناع القرار والباحثين والمهتمين، بما يدعم الاستعداد المبكر للتحديات والفرص التي قد تؤثر في مسارات التنمية خلال السنوات والعقود المقبلة.












