Site icon ICT Business Magazine – أي سي تي بيزنس

هبة صالح: السيادة الرقمية لا تعني عزل مصر عن التكنولوجيا العالمية.. جنسية المورد ليست المعيار .. وعلينا تحديد ما نملكه وما نسيطر عليه وما يمكننا بناؤه مع الحلفاء

د. هبه صالح رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات ITI

د. هبه صالح رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات ITI

ردًا على ما نشرته ICTBusiness حول قضية السيادة الرقمية ودور الشركات المحلية في ظل هيمنة الشركات التكنولوجية العالمية، طرحت الدكتورة هبة صالح، رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات ITI، رؤية مختلفة لمفهوم السيادة الرقمية، مؤكدة أن القضية لا ينبغي اختزالها في سؤال «من يقود السيادة الرقمية؟»، وإنما في سؤال أكثر جوهرية: «كيف نبني دولة رقمية تستطيع السيطرة على قراراتها والاستمرار في الأزمات، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على الابتكار وخلق التكنولوجيا والقيمة الاقتصادية؟».

وأكدت صالح أن هذا التحول في صياغة السؤال ليس مجرد تغيير لغوي، وإنما يعكس اختلافًا في طبيعة الاستراتيجية المطلوبة، موضحة أن جنسية المورد ليست وحدها معيارًا لقياس السيادة الرقمية.

وأشارت إلى أن الدولة قد تستضيف بياناتها على خوادم موجودة داخل حدودها، بينما تظل بعض طبقات التشغيل أو البرمجيات أو الدعم أو الهوية مرتبطة بمورد خارجي، بما يعني أن وجود البيانات داخل الحدود لا يمثل بالضرورة سيطرة كاملة على المنظومة الرقمية.

وفي المقابل، أوضحت أن استخدام تكنولوجيا عالمية متقدمة لا يتعارض بالضرورة مع السيادة الرقمية، طالما احتفظت الدولة بالسيطرة الوطنية على الطبقات الاستراتيجية من بنيتها الرقمية.

3 ركائز للسيادة الرقمية

وترى صالح أن مفهوم السيادة الرقمية يجب أن يقوم على ثلاثة أهداف رئيسية، هي السيطرة، والاستمرارية والمرونة، والقدرة على الخلق والابتكار.وأكدت أن السيادة الرقمية لا ينبغي أن تقتصر على حماية الأنظمة والدفاع عنها، لأن الدولة التي تستطيع حماية بنيتها الرقمية لكنها لا تمتلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا أو بناء الشركات والمنتجات وحقوق الملكية الفكرية، ستظل في النهاية تعتمد على الابتكار الذي ينتجه الآخرون.

وقالت إن الهدف الحقيقي هو بناء دولة تمتلك القدرة على حماية بنيتها الرقمية، وضمان استمرار خدماتها في أوقات الأزمات، وفي الوقت نفسه إنتاج التكنولوجيا والقيمة الاقتصادية محليًا.

روسيا.. درس في أهمية البدائل قبل الأزمات

واستشهدت رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات بالتجربة الروسية، معتبرة أنها تقدم نموذجًا مهمًا لفهم مخاطر الاعتماد الكامل على الموردين العالميين.

وأوضحت أنه عقب اندلاع الحرب، أعلنت شركات عالمية وقف مبيعات جديدة لمنتجاتها وخدماتها في روسيا، كما أوقفت جوانب متعددة من أعمالها امتثالًا للعقوبات الحكومية، حتى في حالات كانت فيها الدولة تمتلك عقودًا مع الموردين ومراكز بيانات محلية ومفاتيح تشفير.

وأكدت أن الدرس الأهم من التجربة الروسية يتمثل في أن الخطة البديلة يجب أن تبدأ قبل الأزمة وليس بعدها.

وأشارت إلى أن روسيا كانت قد بدأت قبل الأزمة بسنوات في بناء بعض البدائل المحلية، من بينها إنشاء البنك المركزي الروسي عام 2014 لنظام البطاقات الوطني NSPK وإطلاق بطاقات Mir، إلى جانب تشغيل نظام SPFS لتبادل الرسائل المالية.

وأكدت في الوقت نفسه أن وجود البدائل المحلية لا يعني الاستغناء الكامل عن الأنظمة العالمية، موضحة أن الهدف ليس الانفصال، وإنما منع وجود نقطة فشل واحدة قادرة على التحكم في استمرارية الدولة.

أوكرانيا.. أحيانًا تكون السيادة في إخراج البيانات من مناطق الخطر

وفي المقابل، استعرضت صالح التجربة الأوكرانية باعتبارها درسًا مختلفًا، موضحة أن الاحتفاظ بكل البيانات داخل الحدود قد يتحول في بعض الظروف إلى مصدر خطر إضافي، خصوصًا خلال الأزمات التي تهدد البنية التحتية المادية.

وأشارت إلى أنه مع تعرض البنية التحتية للخطر، جرى نقل وتأمين أجزاء كبيرة من البيانات والأنظمة الحكومية على سحابات موزعة، موضحة أن شركات عالمية أعلنت مساعدتها في تأمين أكثر من 15 بيتابايت من البيانات الحرجة لأكثر من 60 جهة حكومية ونقلها إلى خارج البلاد، مع الاستفادة من البنية متعددة المناطق لضمان استمرارية الخدمات.

وقالت إن هذا النموذج يوضح أن السيادة الرقمية قد تعني في بعض الحالات القدرة على إخراج نسخة من الدولة الرقمية من منطقة الخطر، وليس بالضرورة إبقاء كل شيء داخل الحدود.

إستونيا.. «سفارة البيانات» خارج الحدود

كما استعرضت تجربة إستونيا التي اتجهت إلى إنشاء Data Embassy في لوكسمبورج، حيث توجد موارد رقمية للدولة جغرافيًا خارج الأراضي الإستونية، لكنها تظل تحت سيطرة الدولة ويمكن استخدامها لضمان استمرارية بعض الخدمات الحيوية.

وأوضحت أن النموذج الإستوني يعكس فكرة أن التحالفات الموثوقة يمكن أن تكون جزءًا من السيادة الرقمية وليست نقيضًا لها، خاصة عندما يتم تصميمها وفق قواعد واضحة تضمن استمرارية الخدمات والسيطرة عليها.

فرنسا تربط السيادة الرقمية بالصناعة

وفي فرنسا، أشارت صالح إلى نموذج «السحابة الموثوقة» الذي تديره الوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات، والذي لا يركز فقط على الأمن التقني، وإنما يأخذ في الاعتبار كذلك المتطلبات التشغيلية والقانونية للخدمات السحابية المخصصة للبيانات الحساسة.

كما يتعامل النموذج مع مخاطر تطبيق القوانين الأجنبية ذات الأثر خارج الحدود، بالتوازي مع ربط سياسة السحابة بسياسة صناعية تستهدف زيادة عدد الخدمات الموثوقة، إلى جانب برامج تمويل ضمن استراتيجية «فرنسا 2030».

واعتبرت أن التجربة الفرنسية تحمل رسالة مهمة، مفادها أن تكلفة السيادة الرقمية لا يجب أن تتحول إلى تكلفة أمنية فقط، وإنما ينبغي أن تتحول إلى استثمار في بناء صناعة تكنولوجية وطنية.

استخدام التكنولوجيا العالمية مع الاحتفاظ بالقرار الوطني

وأشارت صالح إلى أن هناك نماذج أخرى تعتمد على استخدام التكنولوجيا العالمية مع احتفاظ الدولة بدور رئيسي في تصميم المعمار الرقمي، من خلال اختيار الشركات العالمية كمقدمي خدمات سحابية للحكومة، وإنشاء مناطق سحابية محلية ومشتريات مركزية، إلى جانب إنشاء مراكز متخصصة للتميز في السحابة الحكومية.

وأوضحت أن هذا النموذج يسمح بالاستفادة من قدرات السحابة العامة، مع الحفاظ على سيادة الدولة وحماية المعلومات الحكومية، بالتوازي مع وجود سياسات منفصلة لدعم الابتكار وربط الحكومة والجامعات والشركات الناشئة ومراكز البحث والتطوير العالمية.

ما الذي يجب أن تملكه الدولة؟

وترى صالح أن الدولة الرقمية السيادية ليست الدولة التي تصنع كل شيء، وليست الدولة التي تخزن كل شيء داخل حدودها، وليست الدولة التي تستبعد الموردين العالميين. وأضافت أن السؤال الأهم يجب أن يكون: ما الذي يجب أن نملكه؟ وما الذي يجب أن نسيطر عليه؟ وما الذي يمكن أن نشتريه؟ وما الذي نستطيع بناءه مع حلفائنا؟ وماذا سنفعل إذا أصبح أحد هذه المكونات غير متاح؟

كما طرحت سؤالًا أكثر ارتباطًا بالجانب الاقتصادي للسيادة الرقمية: ما الذي سننتجه نحن ويشتريه الآخرون؟ وأكدت أن الدولة التي لا تنتج المعرفة أو الملكية الفكرية أو المنتجات التكنولوجية ستظل مستهلكًا، مهما بلغت قوة أنظمة الحماية الرقمية لديها.

خريطة طريق للسيادة الرقمية

وبحسب صالح، فإن الوصول إلى حالة من التوازن بين حماية السيادة وبناء القوة الرقمية يتطلب التحرك على عدد من المحاور، في مقدمتها تصنيف البيانات والخدمات، وتحديد مكان المعالجة وقواعد الوصول وفترة الاستمرار المطلوبة عند تعطل المورد.

كما تشمل الرؤية بناء «الحد الأدنى السيادي»، أو ما يمكن وصفه بـ«مولد الطوارئ الرقمي»، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية حتى في حالة فقدان أحد الموردين أو مكونات البنية التكنولوجية.

وتتضمن المحاور كذلك بحث الحاجة إلى بناء طبقة من التحالفات الموثوقة، مع الاستفادة من أفضل التقنيات العالمية، ولكن بالتوازي مع اختبار القدرة على الخروج منها عند الحاجة، وعدم الاكتفاء بمجرد تضمين بنود الخروج في العقود.

واختتمت صالح رؤيتها بالتأكيد على ضرورة تحويل البنية التحتية السيادية إلى منصة للابتكار، تفتح المجال أمام الشركات المحلية والشباب والمبدعين لبناء التكنولوجيا والمنتجات والملكية الفكرية، بما يجعل السيادة الرقمية أداة لبناء القوة الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة للحماية والدفاع.

Exit mobile version