من إلغاء صفقة «هيليوس» إلى تأسيس RDH Company … لماذا غيرت المصرية للاتصالات استراتيجيتها في سوق مراكز البيانات؟
قرار أربك السوق
تقرير يكتبه: محمد لطفي
- محمد النواوي: المصرية للاتصالات تستثمر في مراكز البيانات منذ أكثر من 20 عامًا.. والكيان الجديد قرار يعود لرؤية الإدارة الحالية
- أسامة ياسين: إنشاء كيان لمراكز البيانات خطوة صحيحة تدعم الأمن القومي وتأخرت عامًا كاملًا
- مصدر مطلع: حيادية مراكز البيانات هي مفتاح المنافسة العالمية.. وتبعية الكيان لمشغل اتصالات قد تحد من قدرته على جذب العملاء
اتفقنا أو اختلفنا، فإن كثيرين رأوا أن قرار الشركة المصرية للاتصالات بالعدول عن فكرة بيع استثماراتها في نشاط مراكز البيانات كان قرارًا صائبًا، خاصة في ظل المؤشرات الإيجابية التي يشهدها هذا القطاع.
فقد أكدت تقارير حكومية صادرة عن مجلس الوزراء أن سوق مراكز البيانات في مصر يشهد نموًا متسارعًا، حيث بلغت قيمته نحو 278 مليون دولار خلال عام 2024، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 694 مليون دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 16.47%. كما تُعد مصر من أكثر الأسواق الواعدة في إفريقيا في هذا المجال، بعدما استقطبت تدفقات استثمارية متزايدة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في البيئة الرقمية المصرية وآفاق نموها المستقبلية- على حد وصف التقرير الحكومي-
ورغم المزايا التي رأى البعض أنها تحققت من هذا القرار، فإن هناك من تبنى وجهة نظر مغايرة. إذ أبدى البعض تحفظات على فكرة أن يتبع الكيان الجديد أحد مشغلي خدمات المحمول، معتبرين أن ذلك قد يثير العديد من علامات الاستفهام. فيما رأى آخرون أنه لا توجد حاجة لإنشاء شركة مستقلة، خاصة أن الشركة المصرية للاتصالات اعتادت إدارة أنشطتها وشركاتها التابعة بشكل مباشر. كما أعرب فريق آخر عن تخوفه من أن تكون هذه الخطوة بداية لإعادة هيكلة قد تؤدي مستقبلاً إلى تقسيم الشركة من الداخل.
وفي السطور التالية، ترصد ICTBusiness أبعاد هذا القرار، ودوافع التراجع عن صفقة البيع، وما يحمله تأسيس الكيان الجديد من فرص وتحديات.
وتعود بداية القصة إلى قرار مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات التراجع عن خطة كانت قد أقرتها الإدارة السابقة، تقضي ببيع %80 من نشاط مراكز البيانات لصالح شركة Helios Investments.
وفي المقابل، أعلنت الشركة أنها تمضي في تأسيس كيان مستقل لإدارة هذا النشاط تحت اسم RDH Company، ليكون الاسم الرسمي للشركة الجديدة المتخصصة في مراكز البيانات، وذلك في إطار استراتيجية تستهدف فصل هذا النشاط في شركة تابعة مستقلة، بما يتيح له مرونة أكبر في النمو وجذب الاستثمارات والتوسع خلال المرحلة المقبلة.
الشرق الأوسط يدخل سباق المليارات
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة منافسة قوية لاستقطاب استثمارات مراكز البيانات، حيث أعلنت السعودية والإمارات عن استثمارات ضخمة لإنشاء مراكز بيانات عملاقة بالتعاون مع شركات عالمية مثل Microsoft وGoogle Cloud وOracle وAWS، في إطار خططها للتحول إلى مراكز إقليمية للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
وتجاوزت الاستثمارات المعلنة في هذا القطاع عشرات المليارات من الدولارات، مدعومة بحوافز استثمارية وبنية تشريعية وتنظيمية تستهدف جذب الشركات العالمية.
ورغم أن مصر تمتلك مجموعة من المزايا التنافسية التي تجعلها مؤهلة للعب دور محوري في هذه الصناعة، أبرزها مرور أكثر من 90% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا عبر الأراضي المصرية من خلال شبكة الكابلات البحرية الدولية، فضلًا عن امتلاك شبكة متطورة من الألياف الضوئية، وموقع جغرافي يربط ثلاث قارات، وسوق محلية كبيرة تشهد نموًا متسارعًا في الطلب على الخدمات الرقمية.
كما أسهمت مشروعات التحول الرقمي التي تنفذها الدولة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز جاهزية البنية التحتية الرقمية، وهو ما يمثل عامل جذب إضافيًا للاستثمارات في هذا القطاع.
ورغم امتلاك مصر لهذه المقومات، فإن سوق مراكز البيانات المحلية لا تزال في مرحلة النمو مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية، وهو ما يفتح المجال أمام جذب استثمارات جديدة خلال السنوات المقبلة.
تحديات أمام القطاع
ويواجه قطاع مراكز البيانات في مصر عددًا من التحديات، من بينها:
- الحاجة إلى توفير قدرات كهربائية مستقرة وكافية للمشروعات الضخمة.
- تبسيط وتسريع إجراءات التراخيص.
- تعزيز الحوافز الاستثمارية.
- تحديث الأطر التنظيمية الخاصة بالحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
- تنمية الكفاءات البشرية المتخصصة في تشغيل وإدارة هذه المراكز.
- المنافسة المتزايدة من الأسواق الإقليمية، وعلى رأسها السعودية والإمارات.
وقد حظي ملف التحول الرقمي والبنية التحتية الرقمية باهتمام متواصل من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية بناء اقتصاد رقمي قادر على جذب الاستثمارات وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للخدمات التكنولوجية.
وتضع الدولة تطوير البنية الرقمية ضمن أولوياتها، باعتبارها أحد المحركات الرئيسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة تنافسية الاقتصاد الوطني.
وقد علمنا من مصادر مطلعة ان وزارة الكهرباء ابدت اهتماما شديدا بالاستثمارات في مراكز البيانات وانها قد تضطر الى اعادة تسعير الخدمات الخاصة بهذه المراكز ، وربما اللقاء الثلاثي الاخير الذي جمه وزراء الاتصالات والاستثمار والكهرباء درس بكل دقة هذا الملف الشائك خاصة مع الاهتمام الرئاسي بهذه الصناعة وهذا القطاع.
وتم بحث آليات العمل المشترك وتكامل الجهود والتنسيق والتعاون لتنظيم وإنشاء مراكز البيانات والحوسبة السحابية في مصر، وصياغة الاستراتيجية الوطنية الموحدة لتنمية هذا القطاع، مع وضع خطة عاجلة لتركيز جهود الترويج الاستثماري لهذا الملف في الخارج من خلال مكاتب التمثيل التجاري وقطاع الترويج بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، لضمان جذب وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الشركات العالمية.
تم الاتفاق على العمل على إعداد خريطة استثمارية تتضمن المواقع المقترحة لإقامة مراكز البيانات على مستوى الجمهورية، مع توضيح التسهيلات المقدمة من حيث البنية التحتية الرقمية وخدمات الربط والاتصال والطاقة الكهربائية، وكذلك الإجراءات والحوافز الاستثمارية المرتبطة بها، فضلاً عن الاشتراطات والميزات التنافسية والتكلفة التقديرية والأسعار الخاصة بكل موقع، ونقاط الاتصال المعنية في الجهات ذات الصلة.
رأي الخبراء
وتعقيبا على هذا القرار ، أكد المهندس محمد النواوي، الرئيس التنفيذي الأسبق للشركة المصرية للاتصالات، أن الشركة تمتلك تاريخًا طويلًا في الاستثمار بقطاع مراكز البيانات، مشيرًا إلى أن هذا التوجه ليس جديدًا، وإنما يمتد لأكثر من عقدين.
وقال النواوي إن المصرية للاتصالات افتتحت أولى مراكز البيانات الكبرى في القرية الذكية منذ عامي 2005 و2006، ثم واصلت التوسع في هذا النشاط، وهو ما يعكس إدراكها المبكر لأهمية هذا القطاع، مضيفًا: “من الجيد جدًا أن تستمر الشركة في هذا العمل المهم، وكل ما أسمعه عن تطوراتها في هذا المجال يدعو للفخر.”

وأضاف أن الشركة تمتلك أيضًا بنية تحتية ضخمة على مستوى الجمهورية، لافتًا إلى أن السنترالات المنتشرة في مختلف المحافظات تضم قاعات فنية يمكن تطويرها والاستفادة منها في دعم خدمات مراكز البيانات والتحول الرقمي.
وأوضح النواوي أن قرار إنشاء كيان مستقل لإدارة نشاط مراكز البيانات هو شأن إداري واستثماري يخص الإدارة الحالية للشركة، قائلاً: “هذا القرار يعتمد على رؤية الإدارة، فهي وحدها تمتلك البيانات والأرقام التي تستند إليها في اتخاذ مثل هذه الخطوات، ولذلك لا أفضل التعليق على الجوانب الفنية الخاصة به.”
وأكد في الوقت نفسه ثقته في توجهات المصرية للاتصالات، قائلاً: “أنا فخور ومعتز بكل ما تقوم به الشركة، وأرى أن الخطوات التي تتخذها رائعة، فهي شركة عملاقة تمثل ركيزة مهمة لقطاع الاتصالات في مصر.”
واختتم النواوي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار المصرية للاتصالات في الاستثمار في مراكز البيانات يعزز مكانتها في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ويواكب الطلب المتزايد على خدمات البنية التحتية الرقمية.
ومن جانبه ، قال المهندس أسامة ياسين، الرئيس الأسبق للشركة المصرية للاتصالات، إن قرار الشركة إنشاء كيان متخصص لإدارة وتشغيل مراكز البيانات يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، مشيرًا إلى أنه كان من المفترض اتخاذها منذ نحو عام.
وأبدى ياسين تحفظه الشديد على قرار البيع الذي اتخذ في السابق من المصرية للاتصالات لأنه لم يكن يصب في مصلحة الشركة أو الدولة.
وأضاف أن قرار التراجع عن بيع النشاط والإبقاء عليه داخل الشركة يعد تحولًا إيجابيًا، لافتًا إلى أن مجلس الإدارة السابق كان يتبنى رؤية مختلفة، بينما جاء القرار الحالي ليعكس توجهًا أكثر توافقًا مع المتغيرات العالمية.

وأشار إلى أن مراكز البيانات أصبحت اليوم أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن البنية التحتية الحيوية، خاصة في ظل التطورات العالمية والتهديدات التي تستهدف البنية الرقمية، مؤكدًا أن بيانات المواطنين، وسجلات العاملين، والبيانات الحكومية تمثل أصولًا استراتيجية يجب الحفاظ عليها داخل الدولة، ولا ينبغي الاعتماد على مراكز بيانات خارجية في استضافتها أو الاحتفاظ بنسخها الاحتياطية.
وأكد ياسين أن إنشاء كيان وطني قوي لمراكز البيانات يخدم الأمن القومي المصري، ويعزز قدرة الدولة على حماية بياناتها الرقمية، مشددًا على أن المصرية للاتصالات، باعتبارها شركة وطنية تمثل الدولة في قطاع الاتصالات، تضطلع بدور محوري في هذا المجال.
وشدد على أن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، ونحيي المصرية للاتصالات عليها، لأنها تصب في مصلحة الدولة والأمن القومي، وتستحق الإشادة.
وقال مصدر مطلع بقطاع الاتصالات، فضل عدم الكشف عن هويته، إن قرار الشركة المصرية للاتصالات إنشاء كيان مستقل لإدارة وتشغيل مراكز البيانات يمثل تحولًا في استراتيجيتها بعد العدول عن خطة بيع هذا النشاط، مرجحًا أن يكون تغيير الإدارة أحد الأسباب التي دفعت إلى إعادة تقييم القرار، مشيرًا إلى أن لكل إدارة رؤيتها وأولوياتها الاستثمارية.
وأضاف المصدر أن نجاح أي شركة متخصصة في مراكز البيانات يعتمد في المقام الأول على حياديتها الكاملة تجاه جميع مشغلي الاتصالات، موضحًا أن أكبر مشغلي مراكز البيانات عالميًا لا يتبعون عادةً شركات تشغيل اتصالات، لأن العملاء يفضلون التعامل مع جهة مستقلة لا تمنح أفضلية لمشغل على حساب آخر.
وأوضح أن تبعية شركة مراكز البيانات للمصرية للاتصالات قد تثير تساؤلات لدى بعض العملاء المحتملين، خاصة شركات الاتصالات ومزودي الخدمات السحابية العالميين، وهو ما قد يؤثر على قدرتها على جذب شرائح جديدة من العملاء، كما حدث في مراحل سابقة عندما تركزت قاعدة العملاء بصورة أكبر على الجهات الحكومية وبعض المؤسسات المرتبطة بالشركة الأم.
وأشار إلى أن الطاقة الحالية لمراكز البيانات التابعة للشركة، حتى بعد تشغيل المشروعات الجديدة، لا تزال محدودة مقارنة بالمشروعات الإقليمية العملاقة، موضحًا أن إجمالي القدرات المتاحة يظل أقل بكثير من المشروعات التي يجري تنفيذها في المنطقة، وهو ما يجعل المنافسة على جذب كبار مزودي الخدمات السحابية العالمية أكثر صعوبة ما لم يتم ضخ استثمارات كبيرة للتوسع.
وأكد المصدر أن سوق مراكز البيانات في مصر ما زال يحتاج إلى حوافز استثمارية أكبر، سواء في أسعار الطاقة أو الأراضي أو السياسات التنظيمية، لافتًا إلى أن دولًا إقليمية مثل الإمارات والسعودية ضخت استثمارات ضخمة في هذا القطاع، ما منحها قدرات استيعابية تفوق السوق المصرية بفارق كبير.
وأضاف أن التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يرتبط بشكل مباشر بتوافر مراكز بيانات متقدمة داخل الدولة، موضحًا أن غياب البنية التحتية الكافية قد يدفع بعض الجهات إلى الاعتماد على مراكز بيانات خارج مصر لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يثير تحديات تتعلق باستضافة البيانات والسيادة الرقمية.
واختتم المصدر بالتأكيد على أن نجاح الكيان الجديد سيتوقف على حجم الاستثمارات المستقبلية، ومدى قدرته على العمل باستقلالية تجارية حقيقية، وجذب عملاء من مختلف القطاعات، وليس الاعتماد فقط على أعمال الشركة الأم أو الجهات الحكومية.











