أحمد الظاهر الرئيس التنفيذي لـإيتيدا في حوار لا تنقصه الصراحة: لسنا بحاجة لتقديم حوافز جديدة لجذب المستثمرين ..ولكن
يمتلك المهندس أحمد الظاهر، الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، إجابة واضحة لكل من لا يزال ينظر إلى صناعة التعهيد في مصر باعتبارها مجرد مراكز اتصال: القطاع تجاوز هذه المرحلة منذ سنوات.
ويقود الظاهر الهيئة الحكومية المسؤولة عن تحويل صناعة تكنولوجيا المعلومات إلى مصدر مستدام للعملة الأجنبية، فيما بات قطاع التعهيد يشمل حاليًا خدمات تعهيد العمليات التجارية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والهندسة والبحث والتطوير.
وسجلت صادرات خدمات التعهيد 5.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بما يمثل نحو 70% من إجمالي الصادرات الرقمية المصرية البالغة 7.4 مليار دولار، بينما بلغ عدد العاملين المصريين في صناعة التصدير نحو 195.3 ألف موظف حتى نهاية يونيو الماضي، يعملون لدى 252 شركة مصدرة تدير 282 مركزًا متخصصًا في مختلف أنحاء البلاد.
ويؤكد الظاهر أن هذا النمو لم يتحقق بالصدفة، قائلًا إن بناء منظومة متكاملة على مدار سنوات من التعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«إيتيدا» والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، أسهم في خلق زخم ذاتي متنامٍ للقطاع، مدعومًا ببيئة من الثقة وسجل من النجاحات المتراكمة.
الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل وظائف التعهيد في مصر ولن يلغيها
ويتوقع الظاهر أن تنمو إيرادات القطاع بأكثر من 23% خلال العام المالي 2026/2027 لتصل إلى 6.4 مليار دولار، رغم تداعيات الحرب في منطقة الخليج، التي تمثل إلى جانب أوروبا سوقًا رئيسية لصادرات الخدمات المصرية.
ويستهدف القطاع على المدى الأطول الوصول إلى 8 مليارات دولار أو أكثر بحلول نهاية العام المالي 2027/2028، مع توقع ارتفاع عدد العاملين في الصناعة إلى نحو 220 ألف مصري بنهاية العام المالي الحالي.
وتستهدف «إيتيدا» تعزيز صادرات القطاع إلى أسواق الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ودول الخليج، بالتوازي مع التوسع من العملاء الكبار إلى الشركات متوسطة الحجم، ودخول أسواق غير تقليدية مثل باكستان وفيتنام.
هل يأتي الذكاء الاصطناعي على حساب الوظائف؟
يأتي هذا التوسع في وقت يفرض فيه الذكاء الاصطناعي تحديًا جديدًا على صناعة التعهيد عالميًا، خاصة مع نمو الوظائف في القطاع بمعدل 12% سنويًا مقارنة بنمو الصادرات بنسبة 23%.
ويرى الظاهر أن الذكاء الاصطناعي لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الوظائف، وإنما سيعيد تشكيل طبيعتها.
وأوضح أن الوظائف البسيطة في مراكز الاتصال قد تتراجع مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن في المقابل ستظهر فرص جديدة للمصريين في وظائف ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل برمجة وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتصميم السيناريوهات، وتطوير وتشغيل الأنظمة المؤتمتة التي تخدم البنوك وشركات الهندسة وغيرها من القطاعات.
من مراكز الاتصال إلى تصميم الرقائق
ويشير الظاهر إلى قطاع تصميم الرقائق الإلكترونية باعتباره نموذجًا على قدرة مصر على الانتقال إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى.
فمصر لا تمتلك مصانع ضخمة لإنتاج الرقائق على غرار مصانع أشباه الموصلات العالمية، لكن القاهرة نجحت خلال نحو 15 عامًا في بناء قاعدة قوية في مجال تصميم الرقائق، حيث تعمل شركات مصرية في هذا المجال مع عملاء عالميين، إلى جانب وجود مراكز تصميم تابعة لعدد من الشركات العالمية المتخصصة في أشباه الموصلات.
ويقول الظاهر إن قوة مصر الحقيقية تكمن في العقول والمواهب البشرية، وليس بالضرورة في إنشاء مصانع لإنتاج رقائق السيليكون.
وأضاف أن جميع شركات تكنولوجيا المعلومات تعمل حاليًا مع الذكاء الاصطناعي بصورة أو بأخرى، لكن الصناعة تضم عدة مستويات، مشيرًا إلى أن مصر تركز بصورة أساسية على طبقة التطبيقات والحلول المبتكرة، التي تمتلك فيها قدرات قوية ومواهب شابة عالية المهارة، مع التركيز على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مباشرة.
«إيتيدا» تستهدف أسواق أمريكا وأوروبا والخليج لتعزيز صادرات خدمات التعهيد
استراتيجية جديدة للقطاع بين 2027 و2030
وتعتزم «إيتيدا» إعداد استراتيجية جديدة لصناعة التعهيد للفترة من 2027 إلى 2030، يكون الذكاء الاصطناعي في قلبها.
وأوضح الظاهر أن نحو 12 شركة دولية ومحلية أبدت اهتمامًا بالمشاركة في إعداد الاستراتيجية الجديدة، التي تستهدف دفع مصر نحو الأنشطة الأعلى قيمة في صناعة خدمات التكنولوجيا.
وبدأت بالفعل مجموعة من الشركات العالمية في التوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي داخل مصر؛ إذ افتتحت Valeo مركزًا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما أنشأت Capgemini مركزًا متخصصًا للتميز في الذكاء الاصطناعي، وأطلقت Konecta أول مركز عالمي لها للتميز في الذكاء الاصطناعي التوليدي من مصر.
كما بدأت Concentrix تطوير حلول للذكاء الاصطناعي من مصر بواسطة فرق محلية لخدمة عملائها الدوليين.
ولا يقتصر التطور على الشركات العالمية، إذ تعمل شركات مصرية ناشئة على تطوير أدوات للذكاء الاصطناعي باللغة العربية، إلى جانب تطبيقات في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والتجارة الإلكترونية.
ويرى الظاهر أن هذا التطور يعكس تحول مصر من مجرد مركز لتقديم خدمات التعهيد إلى قاعدة إقليمية لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي وتصديرها.
220 ألف مصري مستهدف عملهم بقطاع التعهيد بنهاية العام المالي الحالي
تدريب مئات الآلاف لمواكبة احتياجات السوق
ورغم أن نحو 800 ألف شخص يتخرجون من الجامعات المصرية سنويًا، فإن التحدي يتمثل في توفير المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
ويشير الظاهر إلى برامج التدريب التي تقدمها «إيتيدا»، ومنها شهادات الذكاء الاصطناعي واختبار البرمجيات، إلى جانب برامج التدريب من أجل التوظيف التي تستهدف آلاف المتدربين بالتعاون مع شركات عاملة في مصر.
كما تعمل الجهات التابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ومنها المعهد القومي للاتصالات «NTI» ومعهد تكنولوجيا المعلومات «ITI»، على تدريب أعداد كبيرة من الشباب سنويًا، فيما تمتد بعض البرامج إلى درجات ماجستير متخصصة، مع مشاركة معامل مدعومة من شركات عالمية مثل Huawei وCisco وEricsson.
ويبقى التحدي الأساسي، بحسب التقرير، هو مدى قدرة هذه البرامج على تخريج كوادر تمتلك المهارات التي تحتاجها الشركات ومستعدة لدفع مقابلها.
صادرات التعهيد المصرية تتجه إلى 6.4 مليار دولار.. والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل
منافسة إقليمية على أسواق التعهيد
ولا تخوض مصر سباق صادرات التعهيد بمفردها، إذ تنافسها دول مثل الهند والمغرب وبلدان أوروبا الشرقية على الأسواق العالمية نفسها.
ويقر الظاهر بأن مصر تتمتع بميزة تنافسية من حيث التكلفة، مشيرًا إلى أن تكلفة تقديم بعض الخدمات في مصر تقل بنحو 60% إلى 70% عن مناطق من بينها أوروبا الشرقية.
لكنه يؤكد أن السعر ليس عنصر الجذب الرئيسي، موضحًا أن مصر تتمتع بمزايا أخرى تشمل توافر الكفاءات متعددة اللغات، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية والشرق أوسطية والأفريقية، إلى جانب موقعها الاستراتيجي.
وشهدت أحدث قمة لصناعة التعهيد التي نظمتها «إيتيدا» مشاركة 127 شركة، من بينها 55 شركة عالمية، تعهدت بتوفير ما بين 70 و75 ألف فرصة عمل في مصر خلال 3 سنوات بموجب مذكرات تفاهم مع الهيئة.
كما دخلت 16 شركة جديدة السوق المصرية، إلى جانب 3 شركات عالمية أخرى انضمت مؤخرًا خارج اتفاقات القمة.
«إيتيدا»: لا حاجة إلى حوافز جديدة
ولا يرى الظاهر حاجة إلى تقديم حوافز جديدة لجذب شركات التعهيد إلى مصر، مؤكدًا أن الشركات العالمية التي تدخل السوق المصرية لم تعد تطالب بحوافز مباشرة بالدرجة نفسها التي كانت عليها في السابق.
ويرى أن قوة الأساسيات الاقتصادية والتشغيلية لمصر أصبحت أكثر أهمية من الحوافز الضريبية أو المزايا الاستثمارية المباشرة.
كما تتميز صناعة التعهيد بارتفاع نسبة القيمة المضافة المحلية، حيث تصل إلى 90% في بعض الأنشطة، وهو ما يعني أن الجزء الأكبر من عائدات التصدير يظل داخل الاقتصاد المصري في صورة أجور واستثمارات.
90% قيمة مضافة محلية في بعض أنشطة التعهيد بمصر
مصر أمام اختبار الذكاء الاصطناعي
ويرى الظاهر أن المستثمر العالمي ينبغي أن ينظر إلى الصورة الكاملة عند تقييم مصر كمركز لصادرات خدمات التكنولوجيا، وليس فقط إلى تكلفة العمالة.
ويقول إن المستثمر الذكي لا يبحث فقط عن موقع منخفض التكلفة، وإنما عن منظومة تشغيل متكاملة تضمن الاستقرار والربحية على المدى الطويل، مشيرًا إلى ما تمتلكه مصر من قاعدة كبيرة من الكفاءات الشابة والمتخصصة ومتعددة اللغات، ودعم حكومي واهتمام بالقطاع، وتكاليف تشغيل تنافسية، وبنية تحتية، وموقع استراتيجي.
ومن المنتظر أن تبدأ «إيتيدا» العمل مع الاستشاري الذي سيتم اختياره لإعداد استراتيجية 2027-2030 قبل نهاية العام الجاري، على أن تضع الذكاء الاصطناعي والأنشطة الأعلى قيمة في مقدمة أولوياتها.
ويبقى مدى نجاح هذه الاستراتيجية في التعامل مع التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي ستحدد قدرة مصر على الحفاظ على نمو متوازٍ في كل من صادرات خدمات التعهيد وفرص العمل، في صناعة وفرت خلال السنوات الماضية فرصًا لمئات الآلاف من الشباب المصري.
نقلا عن انتربرايز






