
محمد حجازي: بعض المؤسسات المصرية تعتمد على سحابات أجنبية مما يقيد السيادة الرقمية ويخضع هذه البيانات إلي ولايات قضائية غير مصرية سواء اكانت أمريكية أو أوروبية.
أحمد عبد الحافظ: هناك بيانات محظور خروجها من الأراضي المصرية
محمد كيوان: التوقيع الإلكتروني في مصر يمثل نموذجًا حيًا لفكرة السيادة الرقمية
شريف شلتوت : تحقيق السيادة الرقمية يتطلب توازنًا بين حماية البيانات الحساسة من جهة،وإتاحة بيئة مرنة للابتكار والاستثمار من جهة أخرى
سامح إمام: لابد من تصنيف البيانات وطنيًا ووضع قواعد واضحة لتداولها وحمايتها
تحقيق يكتبه: محمد لطفي
رغم مليارات الجنيهات التي ضُخت في تطوير البنية التحتية للاتصالات والتحول الرقمي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقًا بسرعة الإنترنت أو عدد مراكز البيانات، وإنما بقدرة الدولة على التحكم في بياناتها ومنصاتها الرقمية، وتقليل الاعتماد على البنية التكنولوجية الأجنبية في تشغيل الخدمات الحيوية. فبين التحول الرقمي والسيادة الرقمية Digital Sovereignty مسافة لا تُقاس بحجم الاستثمارات فقط، وإنما بامتلاك القرار الرقمي ذاته.
التحقيق التالي يرصد، من خلال آراء خبراء التكنولوجيا والأمن السيبراني، مدى اقتراب مصر من تحقيق السيادة الرقمية، وأبرز التحديات التي لا تزال تحول دون بناء منظومة رقمية قادرة على حماية البيانات الوطنية، وضمان استمرارية الخدمات، وتعزيز استقلال القرار الرقمي، دون الإخلال بمتطلبات الاستثمار والانفتاح على الاقتصاد العالمي في الوقت الذي بدأت فيه دول تعلن سيادتها الرقمية مثل الولايات المتحدة الامريكية وتتبعها اوروبا ليظل الشرق الاوسط بصفة عامة ومصر على وجه الخصوص تابعا لهذه الدول من خلال شركاتها العالمية التي تهيمن على مفاصل التكنولوجيا .
فمصر لا تقف عند نقطة البداية في ملف السيادة الرقمية، لكنها لم تصل أيضًا إلى خط النهاية. فقد نجحت الدولة خلال السنوات الماضية في بناء بنية تحتية رقمية قوية، وتوسيع مراكز البيانات، وتعزيز شبكات الاتصالات، إلا أن تحقيق السيادة الرقمية بمعناها الشامل لا يزال يتطلب استكمال منظومة حوكمة البيانات، وتوطين التقنيات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على المنصات والسحابات الأجنبية، بما يضمن بقاء القرار الرقمي والبيانات الحيوية تحت السيادة الوطنية.
السطور التالية ترصد أبعاد القضية

في البداية يلقي د. محمد حجازي استشاري التشريعات الرقمية والملكية الفكرية تعريف السيادة الرقمية Digital Sovereignty بمفهومها الواسع هي مفهوم قانوني وسياسي يعني قدرة الدولة على إدارة فضائها الرقمي والتحكم فيه. فلم تعد السيادة تُقاس بامتلاك الدولة لأراضيها وأجوائها فحسب، بل امتد ليشمل امتلاكها لحدودها الرقمية ويشمل ذلك، على نحوٍ متكامل، إدارة البيانات المُنتجة والمُخزَّنة داخل حدودها، وضبط البنية التحتية الرقمية التي تُدار عبرها تلك البيانات، وتمكين حوكمة الخوارزميات والنماذج الذكية التي تقوم بمعالجة المعلومات واتخاذ قراراتها.
هل تمتلك مصر بنية تحتية كافية لتحقيق السيادة الرقمية؟ يجيب حجازي قائلًا علي الرغم من امتلاك مصر بنية تحتية مناسبة، وتتحرك لبناء بنية تحتية تخزينية وسيادية، لكنها لا تزال تواجه تحديات ضخمة في مرحلة المعالجة وتوطين التكنولوجيا العميقة. فالسيادة الرقمية لا تعني فقط مد كابلات أو امتلاك تطبيقات محلية، بل تعني القدرة على التحكم الكامل في البيانات الحيوية، وتخزينها، ومعالجتها داخل الحدود دون ارتهان لأطراف خارجية. وإذا حللنا جاهزية البنية التحتية في مصر، نجد الكابلات البحرية من عناصر القوة والجاهزية العالية (نقاط الارتكاز الجيوسياسي)، حيث تعد مصر واحدة من أهم النقاط الجغرافية في العالم الرقمي. حيث يمر عبر الأراضي والمياه المصرية أكثر من 90% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا عبر 21 كابل دولي، وهذه الكابلات تمنح مصر ثقلاً استراتيجيا كبيراً.
بينما نجد أن هناك تحدي فيما يتعلق بالطاقة والربط الكهربائي، حيث إن مراكز البيانات الضخمة متعطشة للطاقة وغير صديقة للبيئة. لذا يجب علي الحكومة التوسع في استخدام الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) حيث تمثل ميزة تنافسية كبيرة لضمان استدامة هذه المراكز وتوفير طاقة نظيفة ورخيصة نسبيا مقارنة بأوروبا. وعلي الرغم من ذلك فإنه لا يمكن تحقيق السيادة الرقمية دون التوسع في إنشاء مراكز البيانات العملاقة، وتقديم خدمات الحوسبة السحابية المحلية، والتحرك السريع في هذا المجال. خاصة أن السيادة المعرفية تقتضي تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على خوادم محلية وبيانات وطنية لتجنب الانحياز الثقافي والسياسي الخارجي. وعلي الرغم من امتلاك مصر لبعض مقومات تحقيق السيادة الرقمية بشكل جزئي، إلا إن السيادة الكاملة ستظل مشروطة بمدى القدرة على حوكمة تداول البيانات محليا، وتقليل الاعتماد على البرمجيات والعتاد المستورد، وبناء خطوط دفاع سيبراني مستقلة.
أضاف تُخزَّن معظم البيانات الحكومية في مصر ضمن مراكز البيانات الوطنية والسيادية داخل حدود الدولة، وذلك تماشياً مع رؤية الدولة لتحقيق السيادة الرقمية وحماية الأمن القومي. وعلي الرغم من نقل عدد كبير جدا من الجهات الحكومية لبياناتها وتطبيقاتها ووثائقها إلي مراكز البيانات الوطنية، إلا أنه يوجد بعض الجهات الحكومية لا تزال تستخدم حلول هجينة وخدمات سحابية غير مصرية.
وأوضح أن بعض المؤسسات المصرية تعتمد على سحابات أجنبية حيث تعتمد علي سبيل المثال علي منصات Amazon Web Services وMicrosoft Azure و Google وهذا الاعتماد يقيد من السيادة الرقمية، كما يخضع هذه البيانات والخدمات إلي ولايات قضائية غير مصرية سواء اكانت أمريكية أو أوروبية.
وعن حجم البيانات الموجودة خارج الحدود المصرية اكد حجازي أنه لا يوجد أي بيانات او احصائيات رسمية منشورة تقدرحجم البيانات المصرية المُخزَّنة خارج الحدود.. إلا أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر تجاوز حاجز الـ 80 مليون مستخدم، وهي كتلة رقمية ضخمة يقومون بتخزين النسبة الأكبر من بياناتهم اليومية خارج الحدود على خوادم تابعة لشركات التكنولوجيا العالمية مثل Meta، Google، Apple، و Microsoft ومن امثلة تلك البيانات بيانات التواصل الاجتماعي والترفيه، والتفضيلات الاستهلاكية. كما تشمل أيضا البصمات الرقمية وسلوك المستخدمين التي يتم تجميعها وتحليلها عبر خوارزميات الإعلانات الموجهة خارج مصر.
جهود وطنية
هل تمتلك مصر بنية تحتية كافية لتحقيق السيادة الرقمية؟ أجاب بشفافية الدكتور أحمد عبد الحافظ مستشار رئيس الجهاز القومي لتنظيم الإتصالات NTRA لشئون الأمن السيبراني نعم جزئيا، إلى حد كبير في الجانب المادي والتوصيلي، لكنها لم تصل بعد إلى الإكتفاء الكامل حيث أنه ما زالت في مرحلة البناء التكنولوجي المتقدم.
تمتلك مصر عناصر ومواطن قوة مهمة نتاج موقع جغرافى إستراتيجى وجهود وطنية ، ولكن توجد فجوات ونواقص لتحقيق السيادة الرقمية أبرزها :
oالإعتماد الكبير على منتجات وتقنيات أجنبية حيث أن البنية التحتية ليست مجرد كابلات ومبانٍ ولكن لتحقيق السيادة الرقمية الكاملة تتطلب بنية تحتية برمجية (محلية الصنع) وحوسبة فائقة الأداء لم تكتمل بالكامل بعد.
oعدم وجود نماذج ذكاء إصطناعى مصرية (أو على أقصى تقدير عربية) سيادية على نطاق واسع. (يعتبر عدم وجود نماذج ذكاء إصطناعى باللغة العربية تراعى الثقافة العربية واللهجات العربية المختلفة مشكلة عامة على الوطن العربى)
لذلك يمكن القول أن مصر تمتلك بنية تحتية (إلى حد ما) للتحول الرقمى ولكن لا ترقى إلى أن تكون بنية متكاملة وكافية لتحقيق السيادة الرقمية
وعن تخزين البيانات الحكومية اوضح عبد الحافظ تُخزن البيانات الحكومية المصرية في مراكز بيانات وطنية مغلقة ومؤمنة بالكامل داخل الدولة، ولا تُخزن على سحابات تجارية عامة خارج الحدود. ومن المخطط أن يكون “مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية (P1)” (والذي افتتح في أبريل 2024) العقل المدبر ومستودع البيانات الرئيسي لكافة الوزارات والجهات الحكومية) حيث تُدار هذه المراكز بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والقوات المسلحة لضمان أعلى مستويات الأمن السيبراني والتحليل الذكي للبيانات والتحكم الكامل بها.
وعما إذا كانت المؤسسات المصرية تعتمد على سحابات أجنبية اكد عبد الحافظ أن المؤسسات الحكومية والاستراتيجية: لا تعتمد على سحابات أجنبية خارج الحدود؛ بل تعتمد على “السحابة الحكومية المغلقة” أو ما يُعرف بـ (Private Government Cloud). ، إلا أن القطاع الخاص والشركات الناشئة تعتمد بشكل كبير على مزودي السحاب العالميّين مثل (AWS, Microsoft Azure, Google Cloud) ولكن لتفادي خروج البيانات، بدأت هذه الشركات العالمية في إبرام شراكات لإنشاء “مناطق سحابية محليّة” (Local Zones داخل مراكز البيانات المصرية لتقديم خدماتها دون نقل البيانات للخارج.
وعن حجم البيانات الموجودة خارج الحدود المصرية و نسبة الاستضافة الداخلية أوضح أنه على حد علمى أنه لا توجد إحصائية رسمية معلنة مدققة ومنشورة، ولكن تقديرى المهنى أن أغلب بيانات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني الشخصي، وتطبيقات الشركات للقطاع الخاص (مثل أنظمة CRM وتطبيقات SaaSوخدمات النسخ اإحتياطى ) كانت وما زالت تُخزن في خوادم الشركات الأم (في أمريكا وأوروبا).
نسبة الاستضافة الداخلية: البيانات السيادية والحكومية والبنكية مستضافة داخلياً بنسبة 100%. أما بيانات القطاع التجاري والاستهلاكي، فتشهد تحولاً تدريجياً نحو الداخل، وتستهدف الدولة استقطاب النسبة الأكبر من بيانات المنطقة عبر استراتيجية وطنية شاملة لتنظيم وتوسيع مراكز البيانات تم العمل عليها مؤخراً في 2026.
وتابع أن هناك بيانات ومعلومات يجب الا تغادر حدود الدولة المصرية حيث يُحظر تماماً خروج الأنواع التالية من البيانات على سبيل المثال وليس الحصر حيث تصنف كبيانات سيادية ومحظور تداولها خارج حدود مصر:
بيانات الهوية والمواطنين (السجل المدني، الرقم القومي، الجوازات).
البيانات الصحية للمواطنين (مثل بيانات مبادرات الصحة الرئاسية والتأمين الصحي الشامل).
البيانات الضريبية والمالية الحكومية والبنكية وحسابات العملاء (تحت رقابة صارمة من البنك المركزي المصري).
الأمن القومي، البيانات العسكرية، والاتصالات الحكومية الرسمية.
بيانات البنية التحتية الحرجة (شبكات الكهرباء والميله والغاز والبترول)
بيانات الموانئ والمطارات والخرائط الجغرافية الحساسة
هل يمكن تحقيق سيادة رقمية بدون نماذج ذكاء اصطناعي محلية؟ من وجهة النظر التقنية والأمنية : لا، لا يمكن تحقيق سيادة رقمية حقيقية ومستدامة بدون نماذج ذكاء اصطناعي (LLMs) محلية. حيث أنه خلال العقد القادم ستصبح نماذج الذكاء الإصطناعى والإعتماد عليها جزأ من السيادة للدولة نظرا لأنها ستتحكم في مفاصل الدولة مثل مثل شبكات الاتصالات والطاقة والبنوك والأمن القومى.
الذكاء الاصطناعي
ونظرا للاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعي أجنبية (مثل نماذج OpenAI أو Google أو Anthropic) يعني أن البيانات الحساسة أو مدخلات الشركات والمؤسسات والتي سترسل للخارج فضلا عن أنها سوف تُستخدم لتدريب تلك النماذج بالخارج، فضلاً عن احتمالية التحيز الثقافي والسياسي لهذه النماذج. كما أن القرار الخوارزمى للذكاء الإصطناعى يصبح خارج السيطرة الوطنية (حيث أنه يمكن توجيه هذه الخوارزميات بشكل متعمد ضد توجه الدولة وهذا أحد أشكال الحروب السيبرانية القادمة)
مصر تنبهت لهذا الأمر؛ وفي استراتيجيتها الوطنية المحدثة للذكاء الاصطناعي، وضعت كهدف أساسي تطوير “نموذج أساس وطني” (National Foundation Model) لضمان معالجة البيانات بلغة وسياق محلي وبسرية تامة داخل الحدود.
هل قوانين حماية البيانات الحالية كافية؟ نعم وفقا لعبد الحافظ :القوانين الحالية كافية وممتازة من الناحية “النصّية التشريعية”، ولكن التحدي يكمن في “الإنفاذ والتنفيذ الفعلي” ، قانون حماية البيانات الشخصية (151 لسنة 2020) تم اقتباسه وتطويره بناءً على المعايير الأوروبية الصارمة (GDPR)، وهو قوي جداً ويفرض غرامات تصل الملايين على تسريب البيانات أو نقلها للخارج دون تصريح.
ولكن، حتى يتم تفعيل دور “مركز حماية البيانات الشخصية” بكامل طاقته التنفيذية الرقابية على جميع الشركات والمنصات (بما فيها المنصات الأجنبية العاملة في مصر)، ستظل هناك فجوة بين النص القانوني والتطبيق على أرض الواقع .

أكد المهندس شريف شلتوت، المدير الإقليمي بشركة liquid C2 للشرق الاوسط وشمال إفريقيا،و خبير التحول الرقمي، أن قضية السيادة الرقمية في مصر تمثل أحد أهم الملفات الاستراتيجية خلال المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن تحقيق السيادة الرقمية بشكل كامل ما زال هدفاً قيد التطور ولم يصل بعد إلى مرحلة الاكتمال.
وأوضح شلتوت أن الحديث عن السيادة الرقمية لا يجب أن ينطلق من فكرة الاحتفاظ بجميع البيانات داخل الدولة فقط، وإنما من تحديد أولويات واضحة لنوعية البيانات الحساسة والاستراتيجية التي تمس الأمن القومي أو تؤثر على استقلال القرار الاقتصادي والسياسي، والعمل على ضمان بقائها تحت السيطرة الوطنية الكاملة.
وقال إن مصر قطعت خطوات مهمة في هذا الملف، خاصة مع صدور قانون حماية البيانات الشخصية وإقرار لائحته التنفيذية، وهو ما وضع إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً لعمليات نقل البيانات خارج البلاد. لكنه أشار إلى أن التحدي الحقيقي سيظهر خلال مرحلة التطبيق العملي وآليات التنفيذ والرقابة على حركة البيانات بين المؤسسات المحلية والمنصات العالمية.
وأضاف أن تحقيق السيادة الرقمية يتطلب تحقيق توازن بين حماية البيانات الحساسة من جهة، وإتاحة بيئة مرنة للابتكار والاستثمار من جهة أخرى، بما يسمح للشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا بالاستفادة من الخدمات السحابية والتقنيات الحديثة دون قيود تعرقل النمو الرقمي.
وأشار إلى أن أحد المحاور الأساسية يتمثل في جذب الاستثمارات العالمية في مجال مراكز البيانات والخدمات السحابية، مؤكداً أهمية توفير حوافز تشريعية واستثمارية قادرة على استقطاب الشركات العالمية الكبرى مثل جوجل ومايكروسوفت ومزودي الخدمات السحابية العملاقة لإنشاء بنية تحتية رقمية داخل مصر، بما يتيح تقديم الخدمات محلياً ويعزز السيطرة على البيانات الوطنية.
ولفت شلتوت إلى أن التحديات الحالية لا تقتصر على الجوانب التشريعية فقط، بل تشمل أيضاً الجوانب التكنولوجية والاستثمارية، موضحاً أن غالبية البنية الرقمية العالمية ما تزال مملوكة ومدارة بواسطة شركات دولية كبرى، وهو ما يجعل تحقيق السيادة الرقمية الكاملة أمراً معقداً ويحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل وتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص.
وأوضح أن هناك منطقة ما تزال بحاجة إلى رؤية أكثر وضوحاً، تتعلق بالبيانات الشخصية المتداولة عبر المنصات العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم تخزين وإدارة كميات هائلة من بيانات المستخدمين خارج الحدود الوطنية، وهو ما يطرح تساؤلات حول آليات الحوكمة والسيطرة على هذه البيانات مستقبلاً.
وأكد أن التجارب الدولية تثبت أن السيادة الرقمية الكاملة ليست متحققة حتى في العديد من الاقتصادات المتقدمة، مشيراً إلى أن أوروبا نفسها بدأت خلال السنوات الأخيرة مراجعة مستويات اعتمادها على البنية التحتية الرقمية الأمريكية، وتسعى إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال الرقمي داخل الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن بعض الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، حققت تقدماً ملحوظاً في استقطاب مراكز البيانات والاستثمارات التقنية، إلا أن التحدي لا يزال قائماً فيما يتعلق بتوطين المعرفة التقنية وبناء الكفاءات المحلية القادرة على إدارة وتشغيل هذه المنظومات بصورة مستقلة.
واختتم شلتوت تصريحاته بالتأكيد على أن تحقيق السيادة الرقمية بنسبة 100% قد يكون هدفاً صعب المنال في المدى القريب، إلا أن الأهم هو تحديد الأولويات الوطنية بوضوح، والتركيز على حماية البيانات الاستراتيجية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية المحلية، وتهيئة بيئة استثمارية وتشريعية أكثر جاذبية، بما يضمن لمصر مستوى أعلى من الاستقلال والسيطرة على مستقبلها الرقمي.
السيادة والثقة الرقمية
وعن السيادة الرقمية في مصر من منظور الثقة الرقمية والتوقيع الإلكتروني يقول المهندس محمد كيوان، الرئيس التنفيذي لشركة إيجيبت تراست، أرى أن مصر قطعت خطوات مهمة جدًا في بناء البنية التحتية اللازمة للسيادة الرقمية، خصوصًا في مجالات التحول الرقمي الحكومي، مراكز البيانات، منظومات الدفع، الفاتورة والإيصال الإلكتروني، والتوقيع والختم الإلكتروني.
لكن السيادة الرقمية ليست نقطة نصل إليها مرة واحدة، بل هي مسار مستمر. نحتاج دائمًا إلى تطوير البنية التحتية، تحديث التشريعات، رفع كفاءة الكوادر، وتعزيز حوكمة البيانات. بمعنى آخر، مصر لديها أساس قوي يمكن البناء عليه، لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى تكامل أكبر بين البنية التحتية، الأمن السيبراني، الهوية الرقمية، وإدارة البيانات.
وعن تُخزين البيانات الحكومية قال هذا سؤال مهم لكن الإجابة عليه يجب أن تكون من الجهات الرسمية المختصة، لأن بيانات الدولة تختلف حسب طبيعتها ودرجة حساسيتها والجهة المالكة لها ، ما أستطيع تأكيده من وجهة نظري هو أن الأهم ليس فقط أين تُخزن البيانات، بل كيف تُصنّف، ومن يملك حق الوصول إليها، وكيف تُحمى، وما خطط استمرارية الأعمال والتعافي في حالة الأزمات. يجب أن يكون لدينا تصنيف واضح للبيانات الحكومية: بيانات عامة، بيانات تشغيلية، بيانات شخصية، بيانات حساسة، وبيانات استراتيجية.
وأوضح أن بعض المؤسسات قد تستخدم خدمات سحابية أجنبية لأغراض تشغيلية أو تقنية، وهذا في حد ذاته ليس مشكلة إذا كان الاستخدام منضبطًا ومبنيًا على ضوابط واضحة.
المشكلة لا تكون في استخدام التكنولوجيا العالمية، بل في غياب الحوكمة. يجب أن نعرف ما نوع البيانات التي يتم رفعها، أين يتم تخزينها، من يملك مفاتيح التشفير، ما شروط نقل البيانات، وما خطة الخروج إذا توقفت الخدمة أو تغيرت الظروف. السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق، لكنها تعني ألا تفقد الدولة أو المؤسسة السيطرة على بياناتها وقرارها الرقمي.
وطالب بحصر وطني دقيق، لأن البيانات تختلف بين حكومية، مصرفية، صحية، تعليمية، تشغيلية، وشخصية ،وتابع أن الأهم في هذه المرحلة هو أن يكون لدينا إطار واضح لحصر البيانات وتصنيفها، وتحديد ما يمكن استضافته خارجيًا بضوابط، وما يجب أن يبقى داخل الحدود المصرية بشكل كامل.
وأكد أن هناك توجه واضح نحو تعزيز قدرات الدولة في تخزين وإدارة البيانات محليًا، وظهر ذلك في مشروعات التحول الرقمي ومراكز البيانات والبنية التحتية الحكومية. لكن من وجهة نظري، المرحلة القادمة تحتاج إلى سياسة وطنية أكثر تفصيلًا لتوطين البيانات.
هذه السياسة يجب أن تحدد بوضوح: ما البيانات التي يجب أن تبقى داخل مصر؟ ما شروط التعامل مع السحابات الأجنبية؟ ما ضوابط نقل البيانات عبر الحدود؟ وما التزامات مقدمي الخدمات المحليين والدوليين؟
وعن نسبة البيانات التي تستضيفها مراكز بيانات داخل مصر أكد أنه الأهم من النسبة هو نوع البيانات نفسها قد تكون نسبة كبيرة من البيانات مستضافة محليًا، لكن إذا كانت بعض البيانات الاستراتيجية أو الحساسة خارج السيطرة الوطنية فهنا تظهر المشكلة. لذلك يجب ألا نتعامل مع الملف بالأرقام فقط، بل بتصنيف المخاطر ومستوى الحساسية وقيمة البيانات للدولة.
وعن طبيعة البيانات التي يجب ألا تغادر الدولة قال هناك أنواع من البيانات يجب أن تظل داخل الدولة وتحت سيطرة وطنية مباشرة، مثل البيانات المرتبطة بالأمن القومي، الهوية الرقمية، السجلات الحكومية الحساسة، بعض البيانات الصحية، البيانات المالية السيادية، بيانات البنية التحتية الحيوية، ومفاتيح التشفير المرتبطة بالأنظمة الاستراتيجية هذه البيانات ليست مجرد ملفات أو قواعد بيانات، بل هي جزء من قدرة الدولة على اتخاذ القرار وحماية مصالحها واستمرارية خدماتها.
وشدد على أن التوقيع الإلكتروني في مصر يمثل نموذجًا حيًا لفكرة السيادة الرقمية، لأنه لا يقتصر على توقيع مستند إلكتروني فقط، بل يقوم على منظومة ثقة رقمية متكاملة.

ولتقط طرف الحديث سامح إمام رئيس قطاع الامن السيبراني بشركة سيسكو العالمية مصر تسير في اتجاه إيجابي وقوي نحو السيادة الرقمية، وتمتلك بالفعل جزءًا كبيرًا من المقومات المطلوبة. والتحدي في المرحلة القادمة هو تحويل هذه المقومات إلى إطار وطني واضح وقابل للقياس، يشمل تصنيف البيانات، وحقوق الوصول، وقواعد مشاركة البيانات بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والخارج، وسياسات واضحة لما يجب أن يبقى داخل الدولة، وكيف تُدار البيانات وتُحمى وتُستخدم لدعم الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي بشكل آمن ومستدام.
وأوضح أن السيادة الرقمية ليست عزلة عن العالم، بل قدرة على الاختيار والتحكم. ومصر اليوم لديها فرصة حقيقية لأن تكون مركزًا رقميًا إقليميًا، ليس فقط من حيث البنية التحتية، ولكن أيضًا من حيث الحوكمة، والثقة، والقدرة على حماية بياناتها وخدماتها الرقمية.
في تقديري، مصر تمتلك اليوم مقومات قوية ومتنامية لتحقيق السيادة الرقمية، وقطعت خطوات واضحة خلال السنوات الماضية في تطوير البنية التحتية، ومراكز البيانات، والتحول الرقمي الحكومي، والكابلات البحرية، والخدمات الرقمية. لكن السيادة الرقمية بطبيعتها ليست نقطة نصل إليها مرة واحدة، بل هي رحلة مستمرة تحتاج إلى تطوير دائم في البنية التحتية، والتشريعات، والحوكمة، والأمن السيبراني، والقدرات المحلية.
بفضل موقعها الإستراتيجي مهم جدًا كممر رقمي عالمي، إلى جانب استثمارات واضحة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية. وهذا يمثل أساسًا قويًا لبناء سيادة رقمية حقيقية، خصوصًا مع توسع الدولة في رقمنة الخدمات الحكومية والخدمات المقدمة للمواطنين.
بالنسبة لتخزين البيانات الحكومية، هناك توجه واضح نحو استضافة البيانات والخدمات الحكومية داخل بنية تحتية مصرية أكثر أمانًا وسيطرة. وفي الوقت نفسه، من الطبيعي أن تستخدم بعض المؤسسات، خصوصًا في القطاع الخاص، خدمات سحابية عالمية لأغراض تشغيلية مختلفة. الأهم هنا ليس منع استخدام السحابات الأجنبية بشكل مطلق، ولكن تنظيم استخدامها وفق تصنيف واضح للبيانات: ما يمكن استضافته أو معالجته خارجيًا، وما يجب أن يبقى داخل الدولة، وما يحتاج إلى ضوابط خاصة في التشفير، والحوكمة، وإدارة المخاطر، وحقوق الوصول.
وفي رأيي، هناك بيانات استراتيجية يجب أن تظل داخل الدولة أو تخضع لضوابط سيادية صارمة، مثل بيانات الأمن القومي، والسجلات الحكومية الحساسة، وبيانات المواطنين، والبيانات الصحية والمالية واسعة النطاق، وبيانات القطاعات الحيوية مثل الطاقة، والاتصالات، والنقل، والمياه، والبنية التحتية.
ومن أهم الأولويات كما يحددها إمام في المرحلة القادمة وجود قانون أو إطار وطني واضح لتصنيف البيانات وحقوق الوصول إليها وقواعد مشاركتها. لأن السيادة الرقمية لا تتحقق فقط ببناء مراكز بيانات أو نقل البيانات إلى الداخل، بل تحتاج إلى قواعد دقيقة تحدد أنواع البيانات، ودرجة حساسيتها، ومن يحق له الوصول إليها، وتحت أي ظروف.
نحتاج إلى تصنيف وطني واضح للبيانات، مثل: بيانات عامة، وبيانات داخلية، وبيانات سرية، وبيانات استراتيجية أو سيادية. وبناءً على هذا التصنيف يتم تحديد قواعد التخزين، والمعالجة، والتشفير، والنسخ الاحتياطي، والاحتفاظ، والمشاركة، والنقل خارج الحدود.
كما نحتاج إلى قواعد واضحة لمشاركة البيانات بين الجهات الحكومية، وبين الحكومة والقطاع الخاص، وكذلك مع الجهات الخارجية أو الشركاء الدوليين. ليس الهدف هو إغلاق البيانات أو تعطيل الابتكار، بل تنظيمها بطريقة توازن بين حماية الدولة والمواطنين من جهة، وتمكين الخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمار، وتحسين جودة الخدمات من جهة أخرى.
فبدون تصنيف واضح للبيانات وحقوق وصول محددة، قد نملك بنية تحتية قوية، لكن تظل الحوكمة غير مكتملة. لذلك أرى أن قانون تصنيف البيانات وقواعد مشاركتها أصبح ضرورة ملحة، خصوصًا مع توسع الذكاء الاصطناعي، والسحابة، والخدمات الحكومية الرقمية، وتبادل البيانات بين المؤسسات.
أما عن الذكاء الاصطناعي، فمن الصعب الحديث عن سيادة رقمية كاملة دون بناء قدرات محلية في البيانات، والنماذج، والخبرات. ليس مطلوبًا أن نبني كل شيء من الصفر، ولكن من المهم أن تكون لدينا نماذج وقدرات وطنية أو سيادية للقطاعات الحساسة، خصوصًا باللغة العربية وبالسياق المصري، مع الاستفادة الذكية من التكنولوجيا العالمية.
نقلا عن جريدة العالم اليوم












