تقرير – ICTBusiness
في الوقت الذي تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتتوسع أدوات «Vibe Coding» في تحويل الأفكار المكتوبة إلى واجهات وتطبيقات ونماذج أولية خلال وقت قصير، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية هذه الحلول للاستخدام المؤسسي، وقدرتها على العمل بأمان واستقرار، بعيدًا عن الانطباع الذي قد تتركه العروض التقديمية والواجهات الجذابة.
وتفتح هذه الموجة التكنولوجية نقاشًا مهمًا حول الفارق بين إثبات إمكانية تنفيذ فكرة، وبين بناء منتج مؤسسي قابل للتشغيل والصيانة والتوسع، في ظل حاجة المؤسسات والمستثمرين إلى تقييم الحلول التقنية وفق معايير تتجاوز سرعة التطوير أو استخدام منصات الذكاء الاصطناعي.
خلال حوار أدارته منصة «ICTBusiness»، بمشاركة الكاتب الصحفي محمد لطفي، رئيس تحرير مجلة ومنصة ICTBusiness ورئيس شعبة محرري الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنقابة الصحفيين المصريين، والدكتورة هبة الله قاعود، الأستاذ المساعد بكلية الدراسات العليا لإدارة التكنولوجيا بجامعة النيل ومديرة مكتب الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، وكريم عمر، خبير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمتخصص في هندسة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ناقش المشاركون فرص Vibe Coding وحدود استخدامه داخل المؤسسات.
وأكد المشاركون أن الهدف ليس التحذير من الذكاء الاصطناعي أو رفض الابتكار، وإنما التمييز بين نموذج أولي يثبت الفكرة، ومنتج قادر على العمل بأمان واستقرار داخل مؤسسة.
وأوضحوا أن نجاح أي حل تقني لا يعتمد فقط على سرعة بناء الواجهة أو الوظائف الأولية، بل يحتاج إلى معمارية واضحة، ومراجعة للكود، واختبارات للأمن والأداء والتكامل، إلى جانب خطة للتشغيل والدعم والتعافي من الأعطال.
ما هو Vibe Coding؟
يُعرَّف Vibe Coding باعتباره أسلوبًا سريعًا لتطوير البرمجيات، يعتمد على وصف المطلوب بلغة طبيعية واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد واجهات أو كود أو وظائف أولية ويتيح هذا الأسلوب تسريع مرحلة الاستكشاف وبناء النماذج الأولية، لكنه لا يمثل بديلًا عن هندسة البرمجيات، بحسب المشاركين في الحوار.
وتظهر المشكلة عندما يُقدَّم نموذج أولي على أنه منتج مؤسسي جاهز، من دون توضيح ما الذي بُني فعليًا، وما الذي أنشأته الأدوات، وما الذي خضع للمراجعة والاختبار وأشار المشاركون إلى أن الانتقال من التوليد السريع إلى التشغيل الفعلي يتطلب دورة هندسية متكاملة، تشمل التصميم المعماري، ومراجعة الكود، واختبارات الأمن والأداء، وتوثيق الاعتماديات، وإعداد التشغيل والدعم.
«كود الكشري»
وخلال الحوار، طرح محمد لطفي تشبيهًا ساخرًا بين ظاهرة Vibe Coding وما يمكن وصفه محليًا بـ«كود الكشري»، في إشارة إلى إضافة الواجهات والمكتبات وواجهات البرمجة والخدمات السحابية بصورة متتابعة، دون معمارية موحدة أو مراجعة كافية.
ورغم طرافة التشبيه، أكد المشاركون أنه يحمل تحذيرًا حقيقيًا؛ إذ إن Vibe Coding ليس بالضرورة «Spaghetti Code» أو «كود كشري»، لكنه قد يتحول إلى ذلك عندما تتراكم الوظائف والمكونات دون تصميم واضح أو توثيق للاعتماديات أو اختبارات كافية وقد يبدو التطبيق جيدًا في بدايته، لكن أي تعديل بسيط قد يكشف مشكلات في أجزاء أخرى من النظام، بما يرفع تكلفة الصيانة ويؤثر في استقرار المنتج.
وشدد المشاركون على أن هندسة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على استخدام أداة أو كتابة مطالبات جيدة، وإنما هي ممارسة تجمع بين هندسة البرمجيات والبيانات والنماذج والأمن والاختبار والتشغيل والحوكمة ،ومن ثم، لا ينبغي للمؤسسة أو المستثمر الاكتفاء بعبارات مثل «لدينا فريق ذكاء اصطناعي» أو «نستخدم منصة عالمية»، بل يجب طلب أدلة على الخبرة العملية، ومعمارية موثقة، وكود قابل للمراجعة، واختبارات واضحة، وقدرة حقيقية على إدارة المخاطر والاعتماديات.
كما حذر المشاركون من التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها موثوقة تلقائيًا، مؤكدين ضرورة طرح أسئلة تتعلق بمصادر البيانات، والمنصة أو النموذج المستخدم، وطبيعة الوظائف التي تعمل بقواعد حتمية مقابل تلك التي تعتمد على مخرجات احتمالية، وآليات التحقق من النتائج.
إدارة التكنولوجيا.. الإطار الذي يربط الابتكار بالقيمة
من جانبها، أوضحت الدكتورة هبة الله قاعود أن موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي وVibe Coding لا تمثل ظاهرة برمجية بحتة، بل حالة نموذجية لتبني تكنولوجيا جديدة داخل المؤسسات وأشارت إلى أن إدارة هذا التبني تتطلب التعامل مع خمسة عناصر أساسية:
أولًا: تقييم التكنولوجيا (Technology Assessment) من خلال فحص القدرات الفعلية لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحديد المهام التي تناسبها وتلك التي لا تناسبها.
ثانيًا: الاستراتيجية التكنولوجية (Technology Strategy) من خلال وضع أولويات واضحة للاستخدام، وتحديد قرار البناء الداخلي مقابل الاستعانة بحلول جاهزة، إلى جانب استراتيجية البيانات والكفاءات البشرية اللازمة.
ثالثًا: إدارة الابتكار (Innovation Management) عن طريق إتاحة المجال للفرق للتجربة والاستكشاف ضمن أطر منضبطة، بدلًا من الفوضى غير المُدارة.
رابعًا: التسويق والتسويغ التجاري للتكنولوجيا (Technology Commercialization) عن طريق تحويل النموذج الأولي إلى قيمة حقيقية تصل إلى مستخدم أو عميل فعلي ضمن منتج قابل للتشغيل والصيانة.
خامسًا: حوكمة التكنولوجيا (Technology Governance) من خلال إدارة المخاطر والالتزام الأخلاقي والقانوني، وضمان أن استخدام التكنولوجيا يتم ضمن أطر واضحة للمسؤولية.
وأكدت قاعود أن تبني هذه الأدوات ليس تحديًا تقنيًا فقط، بل مسعى متعدد التخصصات يجمع بين الجوانب العلمية والهندسية والإدارية والتنظيمية، وهو ما يفسر لماذا لا تكفي أداة ذكاء اصطناعي جيدة وحدها لضمان نجاح التبني.
والسؤال الذي يطل برسه علينا ما الذي يجب أن تتحقق منه المؤسسات قبل التعاقد؟ حيث أكد المشاركون أن القرار الاستثماري أو التعاقدي يجب ألا يُبنى على ما يظهر في العرض فقط، بل على أدلة قابلة للفحص.
وتشمل أبرز عناصر التحقق:
- وجود معمارية موثقة وكود قابل للمراجعة.
- إجراء اختبارات للأمن والأداء والتكامل.
- وجود خطة واضحة للتشغيل والدعم والتعافي من الأعطال.
- توضيح ما تم بناؤه فعليًا، والأدوات والمنصات والنماذج المستخدمة.
- اختبار الحل في بيئة قريبة من الواقع، وبسيناريوهات يضعها العميل ومستخدموه.
- تحديد ما يحتاج إلى تطوير قبل الانتقال إلى بيئة الإنتاج.
وأشار المشاركون إلى أن هذه الخطوات تمثل جوهر مرحلة «تقييم التكنولوجيا»، التي لا يجوز تجاوزها مهما بدا العرض التقديمي مقنعًا.
من يملك الكود والبيانات؟
تناول الحوار كذلك الجوانب القانونية والمرتبطة بالملكية الفكرية، باعتبارها من الملفات التي قد تحدد قدرة المؤسسة على تشغيل الحل وصيانته ونقله مستقبلًا.
وأكدت الدكتورة هبة الله قاعود ضرورة أن تتضمن العقود إجابات واضحة عن أسئلة أساسية، من بينها: من يملك الكود والبيانات والمخرجات؟ وعلى أي منصة يعمل الحل؟ ومن يملك التحكم في بيئة التشغيل؟
وشددت على أهمية التمييز بين الملكية الفكرية الأساسية (Background IP) التي يملكها المورد قبل المشروع، والملكية الفكرية الناتجة (Foreground IP) التي تنشأ أثناء التنفيذ، مع ضرورة النص التعاقدي الصريح على حقوق الملكية والاستخدام والتعديل والنقل.
كما دعت إلى الإفصاح عن المنصات السحابية والنماذج والمكتبات والخدمات الخارجية المستخدمة، وتكاليفها واعتمادياتها، إلى جانب إجراء فحص لتراخيص المكونات والاعتماديات (License and Dependency Audit).
ولفتت إلى أهمية تضمين ترتيبات تضمن استمرارية التشغيل، مثل إيداع مصدر الكود وبيئة التشغيل لدى طرف ثالث محايد (Source Code and Infrastructure Escrow)، بما يساعد المؤسسة على مواصلة تشغيل النظام في حال توقف المورد أو نشوء نزاع.
العقود.. خط الدفاع الأول ضد التكاليف الخفية
أوضحت قاعود أن حماية العميل تبدأ قبل التوقيع، من خلال تحديد متطلبات الأعمال ونطاق العمل ومعايير القبول القابلة للقياس، إلى جانب وضع آلية منظمة لإدارة طلبات التغيير وأكد كريم عمر على ضرورة توثيق أي تغيير، مع بيان أثره في الوقت والتكلفة والمخاطر، وعدم تنفيذه قبل موافقة العميل.
كما أوصوا بطلب وثائق التصميم والمعمارية، وتقارير الاختبارات، وخطط التشغيل والنسخ الاحتياطي والتعافي، وحقوق ملكية الكود والبيانات والتراخيص، مع إجراء مراجعة فنية وقانونية مستقلة من طرف ثالث قبل القبول النهائي أو التوسع في التشغيل، خصوصًا في الحلول الحساسة أو المؤثرة.
لماذا تزداد الحساسية في البنوك والصحة والجهات الحكومية؟
أكد المشاركون أن استخدام هذه الحلول في قطاعات مثل البنوك والتأمين والصحة والجهات الحكومية يفرض مستوى أعلى من التدقيق، لأن الخطأ قد يؤثر في أموال العملاء أو بياناتهم أو حقوقهم أو استمرارية خدمات حيوية ومن ثم، يجب أن تكون الحلول قابلة للمراجعة والتدقيق، وأن تعمل ضمن ضوابط أمنية وتشغيلية واضحة.
وأشار كريم عمر إلى أن هذه القطاعات هي الأكثر احتياجًا إلى حوكمة التكنولوجيا، بما تتضمنه من أطر رسمية لإدارة مخاطر البيانات والنماذج والامتثال الأخلاقي والتنظيمي.
المستثمرون.. لا تكتفوا بالفكرة التجارية
وجههت هبه قاعود وكريم عمر رسالة إلى المستثمرين في الشركات الناشئة بضرورة تقييم الفريق التقني والمسؤولين عن التكنولوجيا بقدر تقييم الفكرة التجارية نفسها ، وتشمل عملية التقييم الخبرة العملية وسجل بناء وتشغيل حلول مشابهة، والقدرة على تصميم منتج آمن وقابل للتوسع، وإدارة جودة الكود والأمن والبيانات والتكاملات والتشغيل.
كما ينبغي فحص الاعتماد على الأدوات والمنصات والنماذج الخارجية، ووضوح التراخيص والتكاليف وملكية الأصول، إلى جانب وجود خطة لاستمرار المنتج إذا تغيرت الخدمات الخارجية أو توقفت.
وأكد المشاركون أهمية مطالبة الشركات الناشئة بخارطة طريق واضحة لتبني التكنولوجيا (Technology Roadmap)، تغطي التقييم والاستراتيجية وإدارة الابتكار والتسويق التجاري والحوكمة، بدلًا من الاكتفاء بمؤشرات النمو أو أعداد المستخدمين.
واختتم الحوار برسالة واضحة إلى المؤسسات والمستثمرين: لا تجعلوا السرعة بديلًا عن التحقق.فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لتسريع الابتكار، لكنه لا يعفي من ضرورة بناء منتج يمكن مراجعته واختباره وتشغيله وصيانته بثقة وأكد المشاركون أن الثقة لا ينبغي أن تُمنح للألقاب أو الوعود أو الواجهات وحدها، وإنما للأدلة والخبرة والقدرة الهندسية القابلة للفحص.
وقالت الدكتورة هبة الله قاعود إن الشفافية ليست إجراءً قانونيًا شكليًا، بل أساس الثقة والاستمرارية، مشددة على ضرورة أن تكون المؤسسة قادرة على إثبات أن الحل آمن وقانوني وقابل للتشغيل، وأنها تملك السيطرة الفعلية على كوده وبياناته وبيئة تشغيله.
وتبقى الرسالة الأهم: نجاح تبني الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بمدى إثارة النموذج الأولي أو سرعة ظهوره، وإنما بقدرته على الوصول إلى المستخدم، وتحقيق قيمة حقيقية، والعمل بأمان واستقرار، ضمن منظومة واضحة من المسؤولية والحوكمة.
