
تقرير: عزيز المصري
طرح المهندس حسام الجمل، الرئيس الأسبق لمركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء وخبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، رؤية لإعادة صياغة مستقبل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر، مؤكدًا أن القطاع حقق نتائج قوية خلال السنوات الماضية وفق مؤشرات البنية التحتية والخدمات الحكومية الرقمية والتعهيد وتوطين صناعة الأجهزة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى نموذج يركز بصورة أكبر على امتلاك القيمة وبناء الشركات والمنتجات التكنولوجية.
وجاءت رؤية الجمل في مقال نشره عبر حسابه على LinkedIn، طرح خلاله 10 تحركات يرى أنها يمكن أن تنقل القطاع من نموذج النمو السريع إلى نموذج أكثر قدرة على إحداث تحول اقتصادي، مستشهدًا بتجارب دولية في الهند والبرازيل وفيتنام والفلبين وباكستان وكينيا.
من تصدير ساعات العمل إلى امتلاك القيمة
وأشار الجمل إلى أن نموذج التعهيد المصري حقق نموًا ملموسًا في فرص العمل والصادرات، لكنه يواجه تحديًا جديدًا مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في الأعمال التي تعتمد على المهام المتكررة، معتبرًا أن الرهان المستقبلي يجب أن ينتقل من زيادة أعداد المقاعد والوظائف إلى رفع القيمة المضافة لكل موظف.
واقترح إعادة توجيه برامج التعهيد نحو مجالات مثل عمليات الذكاء الاصطناعي، وتقييم النماذج، والبحث والتطوير الهندسي، والأمن السيبراني، وخدمات الذكاء الاصطناعي باللغتين العربية والفرنسية، إلى جانب إعادة تأهيل العاملين في مراكز الاتصال والخدمات التقليدية قبل أن تتسع تأثيرات الأتمتة.
الرئيس الأسبق لمركز معلومات ودعم اتخاذ القرار يطرح 10 تحركات لنقل القطاع من النمو السريع إلى اقتصاد رقمي أكثر امتلاكًا للقيمة
10 تحركات لتغيير نموذج النمو
وتضمنت رؤية الجمل عشرة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها بناء البنية الأساسية وترك تطوير الخدمات للسوق، من خلال توفير واجهات برمجة تطبيقات مفتوحة وموثقة للهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني والمدفوعات ومشاركة البيانات بموافقة المستخدم، بما يسمح لشركات التكنولوجيا المالية والصحية والتأمين والشركات الصغيرة والمتوسطة بتطوير خدمات جديدة فوق هذه البنية.
كما دعا إلى الفصل بين أدوار المشغل والمنظم وصانع السياسات، مع تعزيز النفاذ المفتوح وغير التمييزي إلى شبكات الاتصالات والبنية الأساسية، وإتاحة مساحة أكبر أمام الشركات الصغيرة ومقدمي خدمات الاتصالات والإنترنت.
وفي محور آخر، دعا الجمل إلى إعادة تصميم الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا بحيث تقيس الملكية الفكرية المسجلة محليًا، والإيرادات لكل موظف، والقيمة المضافة محليًا، وعدد الشركات المصرية التي تصدر منتجات تكنولوجية بقيمة كبيرة، بدلًا من التركيز على أعداد الوظائف فقط.
الحكومة كأول عميل للشركات الناشئة
واقترح الجمل تخصيص نسبة من ميزانيات التحول الرقمي الحكومي للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة المصرية، مع وضع آليات واضحة وسريعة لسداد مستحقاتها، معتبرًا أن حصول الشركة الناشئة على عقد حكومي يمكن أن يمثل نقطة تحول في قدرتها على إثبات نموذج أعمالها والوصول إلى عملاء وأسواق جديدة.
كما طرح إنشاء آليات تمويل تعتمد على صناديق الصناديق (Fund of Funds) ومشاركة رأس المال الخاص، إلى جانب تطوير أدوات تمويل الشركات الناشئة في المراحل المبكرة، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات وخطط ملكية أسهم الموظفين.
أفريقيا.. سوق جديدة للمنتجات المصرية
وشدد الجمل على أهمية فتح جبهة جديدة أمام شركات التكنولوجيا المصرية في الأسواق الأفريقية، بحيث لا يقتصر النشاط على تصدير العمالة أو ساعات العمل، وإنما يمتد إلى تصدير المنتجات والمنصات والحلول الرقمية.
وأشار إلى مجالات يمكن للشركات المصرية المنافسة فيها، من بينها الحكومة الرقمية، ومنصات الدفع، والهوية الرقمية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الزراعية، والخدمات الرقمية باللغة العربية والفرنسية.
واقترح في هذا السياق أدوات عملية لدعم التوسع الأفريقي، من بينها خطوط ائتمان مخصصة لصادرات البرمجيات والخدمات، واتفاقيات حكومية ثنائية تحمل حلولًا مصرية إلى الأسواق الأفريقية، إلى جانب قياس نجاح البعثات التجارية بعدد التراخيص والعقود والمبيعات وليس بعدد مذكرات التفاهم فقط.
“المؤشر الأهم ليس عدد المتدربين”
وفي ملف تنمية المهارات، دعا الجمل إلى تغيير طريقة تقييم برامج التدريب التكنولوجي، بحيث يتم قياس عدد من حصلوا على وظائف، وحجم الإيرادات التصديرية، وعدد الشركات التي تأسست بعد التدريب، بدلًا من الاكتفاء بإحصاء أعداد المتدربين.
كما دعا إلى تبني نموذج “اختبر وتعلم” في تنظيم التقنيات الجديدة، من خلال إنشاء بيئات اختبار تنظيمية مشتركة مع قطاعات الصحة والزراعة والتعليم والنقل والتمويل، بما يسمح بتجربة الحلول الجديدة تحت إشراف الجهات التنظيمية قبل صياغة القواعد النهائية.
البنية التحتية ليست الهدف النهائي
ويرى الجمل أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في بناء شبكات الاتصالات والبنية التحتية والمنصات الرقمية، لكن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذه الأصول إلى قدرات وشركات وملكية فكرية ومنتجات قابلة للتصدير.
واختتم رؤيته بالتأكيد على أن السؤال بالنسبة للمرحلة المقبلة لا يتعلق فقط باستمرار نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وإنما بـطبيعة هذا النمو ومن يمتلك القيمة الناتجة عنه، داعيًا إلى الانتقال من نموذج تكون فيه الدولة هي الباني والمشغل الرئيسي إلى نموذج تلعب فيه دور واضع القواعد والمنصة، بينما تتولى الشركات بناء الخدمات والمنتجات وخلق القيمة.
وتأتي هذه الرؤية في إطار نقاش أوسع حول مستقبل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر، في وقت تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعيد تشكيل نماذج الأعمال العالمية، خاصة في قطاعات التعهيد والخدمات الرقمية وتطوير البرمجيات. ويؤكد الملف المهني المنشور للجمل أنه شغل سابقًا منصب رئيس مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، إلى جانب أدوار وخبرات دولية في قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي.






