أُعلن مؤخرا عن عودة تطبيق My NTRA للعمل، فاستبشر المستخدمون خيراً بانتهاء فترة التوقف والتحديث.
لكن مع العودة، برزت ملاحظات وشكاوى متزايدة حول أداء الخدمة، واستقرارها، وتجربة استخدامها لدى بعض المواطنين.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس فقط: هل عاد التطبيق للعمل؟
بل:هل عادت التجربة أيضاً بالصورة التي تمنح المواطن الثقة والطمأنينة؟
هذه الواقعة تتجاوز في أهميتها حدود تطبيق تقني؛ لأنها ترتبط بخدمة تمس بيانات شخصية وحقوقاً ومسؤوليات قانونية للمواطن، في وقت تتزايد فيه المخاوف المجتمعية من وجود خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم.
وعندما تصبح البيانات الرقمية مرتبطة بمسؤولية قانونية محتملة، فإن جودة الخدمة لا تعود مجرد مسألة تقنية، وإنما تصبح جزءاً من منظومة حماية المستخدم وثقته.
*حين يصبح المنظم… مقدم خدمة*
هذه الثنائية تستحق وقفة.
عندما يضع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قواعد سوق الاتصالات، فهو يمارس دوره كجهة تنظيمية ورقابية.
لكن عندما يقدم للمواطن خدمة رقمية مباشرة من خلال تطبيق يملكه ويديره، فإنه يرتدي قبعة أخرى: مقدم الخدمة الرقمية.
وهنا تتسع المسؤولية.
فلا يكفي أن تكون القاعدة سليمة، أو أن تكون المنظومة مصممة وفق متطلبات الأمن والخصوصية؛ بل يجب أيضاً أن تكون الخدمة متاحة، مستقرة، مفهومة، وسهلة الاستخدام، وقابلة للاعتماد عليها.
وهذا التحول من:
Regulator
إلى:
Regulator + Digital Service Provider
يستحق فلسفة إدارية مختلفة، تضع تجربة المواطن في صميم تقييم نجاح الخدمة.
*اختبار ما بعد العودة*
عودة التطبيق للعمل خطوة إيجابية، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية عملية التقييم.
فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يستخدم المواطن الخدمة فعلياً.
هل تعمل الوظائف كما يتوقع؟
هل التجربة مستقرة؟
هل يفهم المستخدم ما الذي تغير؟
هل يعرف ماذا يفعل إذا واجه مشكلة؟
وهل تصل ملاحظاته إلى الجهة المسؤولة وتتحول إلى تحسينات ملموسة؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط.
إنها أسئلة تتعلق بجودة الخدمة وبالثقة في المنظومة بأكملها.
فالإتاحة وحدها لا تكفي.
هناك فرق بين أن تكون الخدمة متاحة تقنياً، وأن تكون صالحة للاعتماد عليها فعلياً.
*المواطن ليس مجرد مستخدم*
في الخدمات الرقمية الحكومية، هناك فارق جوهري بين أن ننظر إلى المواطن باعتباره مستخدماً للتطبيق، وبين أن نراه شريكاً في تطوير الخدمة.
الشكاوى والملاحظات المتكررة ليست بالضرورة عبئاً على المؤسسة؛ بل يمكن أن تكون واحدة من أهم مصادر البيانات لتحسين المنتج.
إذا تكررت المشكلة، فهي إشارة.
وإذا تكرر عدم الفهم، فقد تكون الرسالة بحاجة إلى إعادة تصميم.
وإذا واجه المستخدم صعوبة في الوصول إلى الخدمة، فقد تكون هناك فجوة في رحلة المستخدم نفسها.
وهنا تتحول تجربة المواطن من مجرد Feedback إلى مدخل حقيقي لتحسين الخدمة.
*من إدارة العطل إلى النضج المؤسسي*
الخدمات الرقمية لا ينبغي أن تُدار بمنطق «تعمل أو لا تعمل» فقط.
الخدمة الناضجة تحتاج إلى دورة حياة متكاملة:
تصميم وتشغيل وقياس واستماع وتحسين وتطوير مستمر.
والأزمة أو التحديث ليسا نهاية هذه الدورة، بل جزء منها.
والمؤسسات الأكثر نضجاً ليست التي لا تواجه التحديات، وإنما التي تتعلم منها بسرعة، وتحوّل ملاحظات مستخدميها إلى قدرة مؤسسية جديدة.
التنظيم الذي يمكّن ولا يعطّل
وهنا نصل إلى فلسفة أوسع أراها ضرورية في بناء اقتصاد رقمي أكثر نضجاً.
التنظيم الحديث لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام الابتكار، كما لا ينبغي أن يقتصر دوره على التدخل بعد ظهور المشكلة.
التنظيم المُمكِّن هو الذي يخلق البيئة التي يستطيع فيها الأمن والابتكار وتجربة المستخدم أن يعملوا معاً.
يحمي المستخدم دون أن يعطل الخدمة.
يدير المخاطر دون أن يخنق الابتكار.
ويضع معايير واضحة دون أن يضيف تعقيداً غير ضروري.
وهذا هو جوهر Innovation-Enabling Governance:
أن تصبح الحوكمة وسيلة لتمكين الابتكار الآمن والمستدام.
*الثقة هي معيار النضج*
في النهاية، المواطن لا يرى البنية التقنية المعقدة خلف التطبيق.
هو يرى شيئاً بسيطاً:
هل تعمل الخدمة عندما أحتاج إليها؟
هل أفهم ما يحدث؟
هل أستطيع الوصول إلى حقوقي وبياناتي بسهولة؟
وهل أشعر أن هناك مؤسسة تستمع إليّ عندما أواجه مشكلة؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة.
لذلك، فإن ما نراه من ملاحظات وشكاوى حول الخدمة يجب أن يكون فرصة للاستماع والمراجعة والتحسين، لا مجرد أرقام في منظومة دعم فني.
فكل ملاحظة من المواطن يمكن أن تكون بياناً يساعدنا على بناء خدمة أفضل.
وفي النهاية، فإن الهدف من أي نقاش مهني هو البحث عن كيف نصبح أفضل.
نريد تنظيماً يمكّن ولا يعطّل.
وأمناً رقمياً يحمي ولا يربك.
وابتكاراً يتقدم دون أن يفقد الثقة.
وخدمة تضع الإنسان في قلب تصميمها.
*فالتكنولوجيا تبني التطبيق، لكن النضج المؤسسي يبني التجربة… والثقة هي التي تبني المستقبل.*
بقلم / محمود شريف توفيق
خبير في الأمن السيبراني ومؤسس مجموعة فيكسد للاستثمار










