اتفقنا أم اختلفنا مع أسامة كمال.. يبقى Cairo ICT هو «الكعبة» التي يحج إليها المعلوماتيون كل عام.قد تبدو العبارة مبالغًا فيها،لكنها الحقيقة للعيان لكن من تابع قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر لعقود يعرف جيدًا أنني لا أتحدث عن معرض تجاري عابر، ولا عن فعالية تظهر في الأجندة عامًا ثم تختفي.أتحدث عن موعد أصبح جزءًا من هوية صناعة بأكملها.
ثلاثون عامًا من الاستمرار ليست مجرد رقم نضعه على بوستر احتفالي. ثلاثون عامًا تعني أن هناك شيئًا ما نجح في الصمود، والتجدد، وإقناع الشركات عامًا بعد عام بأن وجودها في هذا الحدث يستحق الوقت والمال والجهد.
ولذلك، اسمحوا لي أن أقولها من البداية:الحمد لله على نعمة Cairo ICT.
قبل أيام، كنت أشارك في مؤتمر صحفي لإحدى كبرى الشركات العقارية. وبينما كنت أتابع فعاليات المؤتمر، لفت انتباهي عدد من الهمسات والحوارات الجانبية.اقتربت من أحد الحاضرين وسألته ببساطتي المعتادة:«في إيه؟»
رد قائلًا كأنه يمرر كرة تجاه مرمى الفريق الخصم تم تأجيل الدورة الجديدة من معرض سيتي سكيب المقرر لها نهاية سبتمبر الحالي ، نظرت له باستغراب بعدما سالت وتمحصت عن الاسباب الحقيقية وعلمت ان وراء هذا القرار هي الشركات المشاركة التي لم يتجاوز عددها 40 شركة وبينما غاب اللاعبون الكبار عن الساحة لذلك راى المنظمون ان تأجيل المعرض في صالح الجميع.لم اطلب إلى مزيد من الشرح. فالمعرض العقاري الكبير الذي يمثل محطة مهمة في السوق المصرية كان يواجه، وفق ما دار من حديث، ظروفًا وتحديات ألقت بظلالها على موعد انعقاده.
ابتسمت بيني وبين نفسي وقلت: الحمد لله على نعمة Cairo ICT.
ولم تمضِ أيام حتى وجدت نفسي في مؤتمر صحفي آخر، لكن المشهد هذه المرة كان مختلفًا تمامًا بين شركات تستعد، وشراكات جديدة، وحضور إعلامي واسع، وأجندة مزدحمة، واستعداد لدورة جديدة من المعرض،وجوائز إقليمية وشخصيات مؤثرة بدأت تظهر على الساحة وسفريات للمنظمين لبعض دول الخليج بالتزامن مع شراكة إعلامية مع مؤسسة بحجم Forbes Middle East وهنا لا أتحدث عن اسم كبير أضيف إلى قائمة الشركاء لمجرد «الوجاهة». فالشراكة مع مؤسسة إعلامية بهذا الحجم تقول شيئًا مهمًا عن قيمة الحدث وقدرته على الوصول إلى دوائر أوسع من مجتمع التكنولوجيا التقليدي.
جلست أستمع إلى أسامة كمال، الرجل الذي عرفته منذ عهد “كايرو تيليكومب ” والذي اختار منذ سنوات أن يضع نفسه في قلب هذا المشروع، وربما يتحمل أكثر من غيره انتقادات القطاع وملاحظاته وأسئلته وبينما كان يتحدث، جاءه سؤال مفاجئ من أحد الزملاء الصحفيين عن عدد الشركات المشاركة.
جاءت الإجابة سريعة.
لكن ما شدني ليس الرقم، وإنما المنطق الذي يقف خلفه فالمعرض، كما شرح كمال، لا يريد أن يتحول إلى سباق أرقام. زيادة عدد الشركات ليست إنجازًا في حد ذاتها إذا كانت ستؤدي إلى تقليص المساحات المخصصة لكبار المشاركين أو الإخلال بجودة التجربة التي يقدمها المعرض.وهنا تحديدًا تكمن الحكاية.
Cairo ICT لم يصل إلى عامه الثلاثين لأنه يجيد تنظيم المعارض فقط وصل إلى هنا لأن هناك صناعة تؤمن به.
وأنا شخصيًا أتذكر جيدًا سنوات لم تكن فيها إقامة المعرض أمرًا سهلًا أو مضمونًا. أتذكر عام 2011.كانت مصر تعيش واحدة من أصعب مراحلها، وكان الحديث يدور حول إمكانية تأجيل المعرض. لكن المفاجأة أن أصحاب المصلحة الحقيقيين، أي الشركات والمعلوماتيين أنفسهم، لم يتعاملوا مع الأمر باعتباره فعالية يمكن تأجيلها ببساطة.
أتذكر الراحل الدكتور عبد الرحمن الصاوي، والمهندس محمد جاد، وغيرهما من أبناء القطاع، وكيف كان الإصرار واضحًا على إقامة المعرض كانت الرسالة وقتها أكبر من معرض:الأحداث تتغير.. لكن صناعة الاتصالات لا تتوقف ثم جاءت 2013، بكل ما حملته من أحداث واضطرابات، ومنها أحداث جامعة الأزهر، وكان هناك أيضًا إصرار على استمرار المعرض.
وأتذكر موقف المهندس عاطف حلمي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق، الذي كان يرى ضرورة المضي قدمًا في انعقاد المعرض لم يكن الأمر وقتها مجرد تحدٍ لظروف أمنية أو سياسية كان دفاعًا عن استمرارية صناعة.
ومنذ ذلك الوقت، وأنا أراقب Cairo ICT عامًا بعد عام أكثر من ربع قرن في متابعة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات جعلتني أرى أجيالًا كاملة من الشركات والمسؤولين والتقنيات تتغير.
كنت شاهدًا على الأحداث في كايرو اي سي تي رأيت المحمول يدخل حياتنا رأيت الإنترنت يتحول من خدمة نخبوية إلى ضرورة رأيت مراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي تتحول من مصطلحات متخصصة إلى عناوين رئيسية في الاقتصاد.
وتغيرت الشركات، وتغيرت القيادات، وتغيرت الحكومات والوزارات.لكن Cairo ICT ظل موجودًا.حتى أصبحنا نحن الصحفيين نستخدمه كعلامة زمنية: «قبل Cairo ICT». ولا «بعد Cairo ICT» وكأن المعرض أصبح ساعة القطاع التي نضبط عليها أجندتنا.
والسؤال هنا ليس: لماذا ينجح Cairo ICT؟
السؤال الأكثر أهمية: لماذا تصر أكبر شركات التكنولوجيا والاتصالات على المشاركة فيه؟ فالشركات الكبرى ليست جمعيات خيرية، ولا تنفق ملايين الجنيهات لمجرد الظهور في صورة جماعية.
المشاركة لها حسابات فهناك عملاء وصفقات و إطلاقات. وهناك علاقات حكومية وشركاء كما أن هناك منافسون.
وهناك عشرات الآلاف من العيون التي تأتي إلى المكان وهي تبحث عن الجديد.
إذن، ببساطة، هناك عائد حقيقي من المشاركة.وهذا هو سر أي معرض ناجح في العالم نجاح Cairo ICT ليس ملكًا لـ أسامة كمال وحده. وليس ملكًا للمنظمين وحدهم.
الفضل الأول للشركات التي آمنت بالمعرض واستمرت في دعمه والفضل للمنظمين الذين فهموا أن المعرض الذي لا يتطور يموت والفضل لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي تدرك أهمية وجود منصة سنوية تجمع الحكومة بالشركات والمستثمرين والخبراء والإعلام والشباب والفضل لدولة ترى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ليس قطاعًا هامشيًا، وإنما أحد أهم محركات الاقتصاد في المستقبل ولهذا، عندما رأيت الزخم في المؤتمر الصحفي الأخير، وشاهدت الاستعدادات للدورة الثلاثين، والشراكة الجديدة مع Forbes Middle East، تذكرت كل هذه السنوات.
وتذكرت أن بعض الأحداث لا تحتاج إلى أن تشرح لماذا هي مهمة ،فقد نختلف مع أسامة كمال حين أو احيان ، قد ننتقد التنظيم قد نطالب بمزيد من التطوير قد نسأل عن أسعار المشاركة أو توزيع المساحات أو المحتوى أو مستوى الخدمات وهذا حق أصيل لأي صحفي أو شركة أو زائر لكن الاختلاف مع التفاصيل لا يجب أن يجعلنا نغفل عن الصورة الأكبر، Cairo ICT أصبح جزءًا من تاريخ صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر فهو معرض سبق تأسيس وزارة الاتصالات بثلاث سنوات كاملة.
والاحتفال بالدورة الثلاثين ليس احتفالًا بمعرض فقط إنه احتفال بصناعة استطاعت أن تكبر بشركات تحملت واستثمرت بقيادات صنعت وغيّرت بصحفيين تابعوا وكتبوا ونقدوا وبدولة أدركت أن التكنولوجيا لم تعد رفاهية، وإنما أصبحت قضية اقتصاد وأمن وتنمية ومستقبل.
لذلك، وبعيدًا عن المجاملات:الحمد لله على نعمة Cairo ICT.
ليس لأنه معرض كامل بلا أخطاء ولا لأنه فوق النقد ولكن لأنه، ببساطة، ظل واقفًا بينما تغيرت أشياء كثيرة من حوله. ثلاثون عامًا من الاستمرارية تستحق التوقف وتستحق أن نقول لمن صنعوا هذه الرحلة، من شركات ومنظمين ومسؤولين ومعلوماتيين: شكرًا لأنكم حافظتم على الموعد ففي صناعة تتغير كل يوم..هناك قيمة كبيرة جدًا في أن تعرف أن هناك موعدًا سيأتي في نوفمبر، وأنك ستجد فيه قطاع التكنولوجيا المصري مجتمعًا مرة أخرى تحت سقف واحد.
الحمد لله على نعمة Cairo ICT…
بقلم/ محمد لطفي
رئيس شعبة صحفي الاتصالات بنقابة الصحفيين











