
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلًا جديدًا حول «إدارة النفايات الإلكترونية»، استعرض خلاله التحول في النظرة العالمية إلى هذه النفايات من مجرد تحدٍ بيئي يرتبط بالتوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا، إلى مورد اقتصادي يمكن من خلاله استرداد المعادن والمواد ذات القيمة، ودعم الاقتصاد الدائري، وتعزيز أمن الموارد وسلاسل القيمة المستدامة.
وأوضح المركز أن النفايات الإلكترونية تشمل المعدات الكهربائية والإلكترونية التي وصلت إلى نهاية عمرها الافتراضي أو لم يعد المستخدمون يرغبون في استخدامها، ومنها الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والتلفزيون والأجهزة المنزلية والمعدات الطبية. وتتميز هذه النفايات بأنها تجمع بين مواد قد تمثل مخاطر بيئية وصحية، مثل الرصاص والزئبق، ومواد أخرى ذات قيمة اقتصادية، مثل الذهب والنحاس والنيكل وبعض المعادن النادرة.
وأشار التحليل إلى أن العالم أنتج نحو 62 مليار كيلوجرام من النفايات الإلكترونية خلال عام 2022، بما يعادل متوسطًا عالميًا يبلغ 7.8 كيلوجرامات للفرد سنويًا، في انعكاس مباشر للتوسع المتسارع في استخدام الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية وقِصر دورات استبدال بعضها.
وفي المقابل، لا تزال نسبة كبيرة من هذه النفايات تُدار خارج نظم الجمع وإعادة التدوير الرسمية، بما يؤدي إلى فقدان جزء مهم من قيمتها الاقتصادية، فضلًا عن الآثار البيئية والصحية الناجمة عن الحرق أو الطمر أو المعالجة غير الآمنة.
ووفقًا لتقرير «الرصد العالمي للنفايات الإلكترونية 2024» الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، تُقدر القيمة الاقتصادية للمعادن الموجودة في النفايات الإلكترونية المتولدة عالميًا في عام 2022 بنحو 91 مليار دولار أمريكي، في حين تولّد الإدارة الحالية لهذه النفايات مواد خام ثانوية بقيمة تقدر بنحو 28 مليار دولار فقط، بما يعكس وجود قيمة اقتصادية كبيرة لا تزال غير مستغلة.
وتشمل المواد ذات القيمة الموجودة في النفايات الإلكترونية الحديد بقيمة تقدر بنحو 24 مليار دولار، والألومنيوم بنحو 4 مليارات دولار، والنحاس بنحو ملياري دولار، فضلًا عن المعادن النفيسة والمواد الخام الحرجة التي تكتسب أهمية متزايدة في الصناعات التكنولوجية الحديثة.
وفي هذا السياق، تشير بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية، استنادًا إلى تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إلى أنه يمكن من خلال إعادة تدوير مليون هاتف محمول استرداد نحو 35 ألف رطل من النحاس، و772 رطلًا من الفضة، و75 رطلًا من الذهب، و33 رطلًا من البلاديوم، بما يعكس القيمة الاقتصادية التي يمكن استردادها من الأجهزة التي خرجت من الاستخدام.
وأشار التحليل إلى أن إعادة التدوير أصبحت كذلك أحد مكونات أمن الموارد والمواد الخام الحرجة، وليس مجرد أداة لحماية البيئة؛ حيث يستهدف الاتحاد الأوروبي، بموجب قانون المواد الخام الحرجة الصادر عام 2024، تلبية 25% من احتياجاته السنوية من المواد الخام الاستراتيجية من خلال إعادة التدوير بحلول عام 2030.
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال إعادة تدوير بعض العناصر الأرضية النادرة تواجه تحديات اقتصادية وتكنولوجية، ولا تسهم أنشطة إعادة التدوير حاليًا إلا في تلبية نحو 1% من الطلب العالمي عليها، بما يعكس الحاجة إلى تطوير تقنيات الاسترداد ورفع جدواها الاقتصادية.
وأوضح المركز أن نحو ثلث النفايات الإلكترونية العالمية، بما يقارب 20 مليار كيلوجرام، يتكون من الأجهزة الصغيرة، مثل الألعاب وأفران الميكروويف والمكانس الكهربائية وغيرها، بينما لا تتجاوز معدلات إعادة تدوير هذه الفئة رسميًا 12% عالميًا. كما تبلغ النفايات الناتجة عن معدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصغيرة نحو 5 مليارات كيلوجرام، ولا يُوثق رسميًا سوى نحو 22% منها باعتبارها جُمعت وأعيد تدويرها.
وتتباين معدلات الجمع وإعادة التدوير الرسمية بصورة كبيرة بين الأقاليم؛ إذ سجلت أوروبا معدلًا بلغ 42.8% في عام 2022، مقابل 0.7% فقط في إفريقيا، وهو ما يعكس في الوقت ذاته حجم التحدي والفرصة المتاحة أمام القارة لتطوير صناعات الجمع وإعادة التدوير والاسترداد.
وأشار التحليل إلى أن 81 دولة، تمثل نحو 42% من دول العالم وتغطي نحو 72% من سكانه، تبنت سياسات أو تشريعات أو لوائح تنظيمية خاصة بالنفايات الإلكترونية، إلا أن معدل نمو عدد الدول التي تطبق مثل هذه الأطر التنظيمية شهد تباطؤًا خلال السنوات الأخيرة.
كما تكتسب القضية أهمية متزايدة مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة؛ إذ يُتوقع ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية الناتجة عن الألواح الكهروضوئية إلى أربعة أمثاله تقريبًا، من 0.6 مليار كيلوجرام في 2022 إلى 2.4 مليار كيلوجرام في 2030، وهو ما يؤكد ضرورة دمج إدارة نهاية العمر التشغيلي للمعدات ضمن سياسات التحول الأخضر منذ البداية.
وعلى صعيد الحركة العابرة للحدود، بلغ إجمالي النفايات الإلكترونية والمعدات الكهربائية والإلكترونية المستعملة التي تم شحنها عبر الحدود نحو 5.1 مليارات كيلوجرام في عام 2022، منها نحو 3.3 مليارات كيلوجرام انتقلت من الدول مرتفعة الدخل إلى الدول متوسطة ومنخفضة الدخل عبر حركات غير خاضعة للرقابة أو غير موثقة، بما يمثل نحو 65% من إجمالي هذه الحركة عالميًا.
مصر.. من إدارة المخلفات إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية
وفيما يتعلق بمصر، أوضح التحليل أن السنوات الأخيرة شهدت تطورًا في الإطار التشريعي والمؤسسي لإدارة النفايات الإلكترونية، بما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال تدريجيًا من مفهوم التخلص الآمن من المخلفات إلى تعظيم قيمتها الاقتصادية وإدماجها في سلاسل القيمة المحلية.
ويمثل قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 إحدى الركائز التشريعية المنظمة لهذا المجال؛ إذ وضع ضوابط للتعامل مع المخلفات الخطرة، ونظم عمليات التداول والمعالجة والترخيص، وألزم الجهات المولدة للمخلفات بالاحتفاظ بسجلات توضح آليات التخلص منها والجهات المتعاقد معها، إلى جانب وضع آليات للرقابة والتتبع والحد من الأضرار البيئية.
كما أسهمت وزارة البيئة في تقنين أوضاع عدد من المنشآت العاملة في القطاع غير الرسمي وتحويلها إلى كيانات معتمدة، لتصل البنية التحتية القائمة إلى 38 مصنعًا مرخصًا لإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية، بالإضافة إلى 5 مصانع متخصصة في تدوير الكابلات، مع قصر المشاركة في المزادات الحكومية والخاصة لبيع المخلفات الإلكترونية على الكيانات المعتمدة.
وتدعم الشراكات الدولية تطوير هذه المنظومة، حيث تم في عام 2024 توجيه منحة بقيمة 9.13 ملايين دولار من مرفق البيئة العالمية لخفض الانبعاثات الناتجة عن الممارسات غير الآمنة، إلى جانب الاستعانة بخبرات دولية لمراجعة وتقييم 27 مصنعًا بهدف رفع كفاءة عمليات التدوير.
وعلى المستوى المجتمعي، أطلقت مصر تطبيق «إي-تدوير» (E-Tadweer) في عام 2021، في إطار شراكة بين الحكومة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والقطاع الخاص، لتشجيع المواطنين على تسليم أجهزتهم القديمة في نقاط تجميع آمنة مقابل حوافز اقتصادية، خاصة في ضوء أن المخلفات المنزلية تمثل نحو 23% من إجمالي النفايات الإلكترونية المتولدة سنويًا في مصر.
كما انخرطت مصر في مشروع «التحول إلى سلاسل القيمة للاقتصاد الدائري» (SWITCH2CE) الممول من الاتحاد الأوروبي وحكومة فنلندا والمنفذ من خلال منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، والذي تضمن إطلاق النموذج التجريبي «دائرة واحدة» (One Circle) في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وشملت المبادرة تطوير قدرات محلية لإطالة العمر التشغيلي للإلكترونيات، من بينها إطلاق خط لإصلاح معدات الشبكات بالتعاون مع شركة نوكيا، وإنشاء مركز لتجديد الهواتف الذكية بالتعاون مع أورانج مصر.
وحتى عام 2025، نجحت مبادرة «دائرة واحدة» في جمع 10,222 كيلوجرامًا من النفايات الإلكترونية وتوجيهها إلى مسارات المعالجة المعتمدة عبر شركات إعادة التدوير المحلية المرخصة، بما أسهم في تجنب انبعاث نحو 235 ألف كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون/مكافئ ثاني أكسيد الكربون، فضلًا عن خلق أكثر من 60 فرصة عمل خضراء جديدة، وتجديد وإعادة طرح أكثر من 1,300 هاتف ذكي بضمانات معتمدة في الأسواق.
وخلص التحليل إلى أن الفرصة الاقتصادية أمام مصر تتجاوز التعامل مع النفايات الإلكترونية باعتبارها ملفًا بيئيًا، لتشمل بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ بالجمع والتتبع، وتمر بالإصلاح والتجديد وإطالة العمر التشغيلي، وتنتهي بإعادة التدوير واسترداد المعادن والمواد ذات القيمة.
وأكد أن تعظيم العائد الاقتصادي من هذه المنظومة يرتبط بزيادة معدلات الجمع الرسمي، والحد من تسرب النفايات إلى القنوات غير الرسمية، وتعميق القدرات المحلية في الاسترداد والتدوير، وربطها بالصناعات الإلكترونية والمواد الخام الحرجة، بما يدعم توجه مصر نحو الاقتصاد الدائري والصناعات الخضراء، ويحول النفايات الإلكترونية تدريجيًا من تكلفة بيئية إلى مورد اقتصادي يدعم سلاسل القيمة المحلية المستدامة.










