مقالات

محمود توفيق يكتب لـICTBusiness :عندما تُبنى السياسات مع السوق… تتحرك الصناعة (إيتيدا نموذجًا)

استكمالاً لرؤيتنا حول الأمن السيبراني والوضوح الإجرائي، نضع نموذج “إيتيدا” تحت المجهر كمعيار للنضج المؤسسي ، في عالم التكنولوجيا، الوقت ليس مجرد مال، بل هو “معيار الريادة” و “صلاحية التواجد في قلب المنافسة العالمية”، وبينما تواجه المنظومات الإدارية بطبيعتها تحديات الموازنة بين الانضباط الإجرائي وسرعة الابتكار، تبرز هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) كتجربة تطبيقية تعكس تحوّل دور الجهة الحكومية من إدارة النشاط إلى تمكينه؛ فهي لم تعد مجرد هيئة تنظيمية، بل أصبحت منصة سياسات تعمل على تقليص الفجوة بين “هيبة المؤسسة” و“مرونة القطاع الخاص”.

إن ما نشهده اليوم داخل “إيتيدا” يعكس أثر تبني أطر عمل مؤسسية قائمة على الشراكة مع الصناعة، حيث لم يعد النجاح نتيجة اجتهادات فردية بقدر ما أصبح نتيجة بناء منظومة متكاملة تستند إلى سياسات واضحة وتمكين تشغيلي مستقر.

ومن هنا يبرز الدور المحوري لمركز اعتماد وهندسة البرمجيات الذي لم يقتصر على تقديم تدريب رفيع المستوى، بل ساهم في نقل الشركات المصرية إلى الحلبة العالمية عبر اعتماد المعايير ذات الصلة، بما يعزز قدرتها على المنافسة الدولية ولعل وجود قيادات سابقة وحالية مشهود لها بالكفاءة والخبرة كان له أثر إيجابي لما تم من تطبيق فعلي للرؤية الاستراتيجية.

ولعل أبرز مظاهر هذا النضج ما تمثله المؤتمرات وورش العمل التي تنظمها الهيئة؛ فهي ليست مجرد فعاليات تعريفية، بل أدوات تشغيلية لنقل المعرفة وتخفيف الاحتكاك التنظيمي بين الدولة والصناعة. هذا النموذج يعزز شعور شركات التكنولوجيا — بما فيها شركات الأمن السيبراني — بأن البيئة المؤسسية قادرة على دعم الجودة والاحترافية باعتبارهما خياراً وطنياً استراتيجياً.

من أهم سمات نضج الإدارة الحديثة التمييز بين استقرار المؤسسة وقابلية الإجراءات للتحسين.وهنا، وجب التأكيد على مبدأ مهني ووطني أصيل: ضرورة “فك الاشتباك” بين كيان المؤسسة الوطنية الراسخ وبين الممارسات الإدارية المتغيرة.

إن دفاعنا عن مؤسساتنا الوطنية يقتضي منا أن نكون حراساً لنهجها الناجح.

فالمؤسسة هي الحصن، ونحن نحمي هذا الحصن حين نرفض أن تُتخذ “التحصن بالمؤسسة” غطاءً لتمرير سياسات منعزلة عن الواقع في أي جهة كانت.

فالمؤسسة كيان دائم يستمد قوته من قدرته على التطور، بينما القرار الإداري اجتهاد مهني يتطور مع تغير المعطيات.

لذلك فإن إتاحة قنوات المراجعة المهنية المنظمة لا تُعد تقليلاً من الهيبة المؤسسية، بل إحدى أدوات صيانتها. فالمنظومات التنظيمية الأكثر استقراراً ليست تلك التي تحاول غلق باب النقاش أو تجنبه، بل التي تنظمه بحيث يتحول من مواجهة إلى آلية تحسين مستمر.

وعندما يصبح التواصل البناء وسيلة تطوير، تتعزز الثقة المؤسسية لأن المتعاملين يدركون أن جودة القرار ناتجة عن قابلية مراجعته، لا عن محاولة تحصينه من النقاش.

إن تجربة “إيتيدا” الحالية تقدم نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة من آلياته عبر تعزيز التنسيق المؤسسي وتبادل الممارسات التنظيمية الناجحة بين الجهات المعنية بالاقتصاد الرقمي، بما يدعم استقرار البيئة التنظيمية ويزيد من قابلية التنبؤ للقطاع.

فالصناعة الرقمية لا تبنى بجهد منفرد، بل بمنظومة متكاملة تتشارك المعرفة والخبرة التشغيلية، حيث تتحول الممارسات الناجحة إلى خبرة مؤسسية قابلة للتعميم.

إن المستقبل التنافسي للاقتصاد الرقمي يعتمد على استمرار هذا النهج التشاركي؛ نهج يرى في الجودة والاحترافية والتعلم المستمر قرارات وطنية عملية تُترجم إلى بيئة أعمال أكثر ثقة وقدرة على النمو وهناك العديد من الجهات الفاعلة التابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وسنقوم بتناولها في مقالات قادمة إن شاء الله سعياً لتحسين بيئة هذا القطاع الحيوي.

بقلم / م.محمود توفيق 

الرئيس التنفيذي لشركة فيكسد سوليوشنز

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى