
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول “السياحة الرقمية”، والتي تسلط الضوء على مفهوم السياحة الرقمية بوصفها أحد أبرز التحولات الحديثة في صناعة السفر، مستعرضةً نشأتها وتطورها السريع عالميًّا، وحجم نموها المتوقع خلال السنوات المقبلة، فضلًا عن أهم الاتجاهات والتقنيات الرقمية المؤثرة في القطاع، مثل: الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتعرف على الوجه، والروبوتات.
كما تتناول الفرص التي تتيحها السياحة الرقمية لتعزيز التنافسية ودعم الاقتصادات، مقابل التحديات التي تواجه بعض الدول، خاصة الناشئة منها، في توظيف هذه الأدوات بكفاءة وتحقيق أقصى استفادة منها.
أوضح التحليل أن قطاع السياحة يُعد أحد أهم القطاعات الاقتصادية وأسرعها نموًّا في العالم، ومع التقدم الكبير في التكنولوجيا والتحولات الرقمية، أصبحت السياحة الرقمية أحد أكثر الاتجاهات جذبًا في العالم؛ حيث أحدثت التقنيات والمنصات الرقمية تحولًا شاملًا في الطريقة التي يعمل بها قطاع السياحة، ووفرت للمستهلكين إمكانية الوصول إلى أي مكان بالعالم، كما أتاحت لمقدِّمي الخدمات تطوير قطاع السياحة ومعاييره التنافسية.
وتشير السياحة الرقمية إلى تكامل التقنيات الرقمية والتكنولوجيا، بما في ذلك تطبيقات الهاتف المحمول والواقع الافتراضي والمنصات الإلكترونية؛ لتحسين وتبسيط تجربة السفر لكلٍّ من السيّاح ومقدمي الخدمات على حد سواء. فهي تتيح تخطيط الرحلات الشخصية والتحديثات في الوقت الفعلي والجولات الافتراضية؛ مما يجعل السفر أكثر سهولة وجاذبية لجميع المستخدمين.
في البداية، كان مفهوم السياحة الرقمية يعتمد على الحضور الإلكتروني للمؤسسات السياحية وتوفير الحجز عبر الإنترنت، لكن مع تطور التكنولوجيا أصبح يشمل أكثر من مجرد وظائف رقمية بسيطة؛ حيث تتضمن السياحة الرقمية اليوم دعم التجربة السياحية بالكامل عبر منصة متكاملة تمكن السائح من الوصول إلى المعلومات، وحجز الخدمات، وحتى التفاعل مع الوجهة قبل السفر من خلال جولات افتراضية.
أبرز التحليل الدور المحوري الذي تؤديه السياحة الرقمية في تطور قطاع السفر عالميًّا؛ لما تقدمه من فوائد متعددة للمستهلكين ومزودي الخدمات على حد سواء. فمن منظور المسافر، تُسهم الأدوات الرقمية في تسهيل عملية البحث عن الوجهات، ومقارنة الأسعار، وقراءة تقييمات الزوار السابقين، واختيار أفضل الخيارات المناسبة لتفضيلاته وميزانيته.
ومن منظور مزوِّدي الخدمات، فقد وفَّرت الرقمنة فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى أسواق كبرى وبناء حضور قوي عبر الإنترنت؛ حيث تتيح المنصات الرقمية للشركات الصغيرة والمتوسطة في القطاع السياحي الوصول بسهولة إلى العملاء في جميع أنحاء العالم دون الحاجة إلى بنية تسويقية مكلفة.
أوضح التحليل أن السياحة الرقمية شهدت نموًّا سريعًا وتوسعًا متسارعًا على الصعيد العالمي، مدعومًا بزيادة الطلب على الخدمات الرقمية، والتطور التكنولوجي، وانتشار الإنترنت عالي السرعة. وتشير التقديرات في هذا الصدد إلى أن سوق السياحة الافتراضية -أحد أهم عناصر السياحة الرقمية- بلغت قيمتها نحو 728 مليون دولار أمريكي في عام 2023، ومن المتوقع أن تشهد نموًّا سنويًّا مركبًا (CAGR) يبلغ قدره 26.4% خلال الفترة بين 2024 و2032؛ مما قد يدفع السوق لتصل إلى نحو 5.7 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2032.
يأتي ذلك في ظل ما توفره السياحة الافتراضية من تجارب غامرة للغاية؛ مما يسمح للمستخدمين بالدخول افتراضيًّا إلى المواقع، والتفاعل مع البيئات، واستكشاف الثقافات في الوقت الفعلي. كما تزداد هذه الجاذبية بشكل خاص بين الأجيال الشابة، الذين يقدرون التعلم التجريبي والمغامرة.
كذلك، يدل هذا النمو المتسارع على أن الاعتماد الرقمي في تخطيط الرحلات، والحجز، والتجارب الافتراضية، وتحليل بيانات السائحين أصبح عنصرًا رئيسًا في صناعة السفر الحديثة؛ مما يجعل الخدمات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات شركات السياحة والوجهات السياحية حول العالم.
وأشار التحليل إلى تطور صناعة السفر والسياحة بشكل مستمر بفضل التقنيات الرقمية الحديثة التي تؤدي دورًا حيويًّا في تحسين الخدمات المقدمة للعملاء، وفيما يلي عرض لأبرز تلك التقنيات:
1- الذكاء الاصطناعي: والذي يُستخدم في تقديم خدمات العملاء. وفي الفنادق، ويساعد في تقديم استجابة سريعة على مدار الساعة، دون الحاجة إلى وجود موظفين فعليًّا
2- البيانات الضخمة والتحليلات
3- تقنية التعرف على الوجه: تستخدم تلك التقنية للتعرف على هوية الأفراد بناءً على ملامح وجههم، وتستخدم في عمليات مثل تسجيل الوصول بدون تلامس وخيارات التذاكر الرقمية.
4- الروبوتات في السياحة: تُستخدَم الروبوتات عادةً لتنفيذ المهام إما بشكل مستقل أو شبه مستقل. وفي صناعة السياحة، تُستخدَم الروبوتات لأغراض متنوعة، بما في ذلك التنظيف، وخدمة العملاء، وتوفير معلومات سياحية.
5- المدفوعات غير التلامسية: والتي تُعَد من الاتجاهات الرقمية المتنامية في صناعة السياحة؛ حيث تتيح للعملاء دفع ثمن الخدمات بشكل سريع باستخدام البطاقات غير التلامسية أو المحافظ الرقمية، كما تُسهِم في تقليل العقبات في أثناء عملية الدفع؛ مما يوفر راحة للعملاء ويمنح الشركات مزيدًا من خيارات الدفع.
6- الأمن السيبراني: والذي يشير إلى حماية أنظمة الحاسوب من مختلف التهديدات، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية والأضرار العرضية وفقدان البيانات. ويشمل ذلك استخدام استراتيجيات أمنية وتقديم برامج تدريبية للموظفين.
وبشكلٍ عام، فقد برز الأمن السيبراني كأحد أهم الاتجاهات الرقمية في قطاع السياحة؛ نظرًا لتزايد الهجمات الإلكترونية وتطورها، فيما تقوم الشركات بتخزين كميات هائلة من البيانات. وتشمل استراتيجيات الأمن السيبراني الشائعة التي تستخدمها شركات السياحة النسخ الاحتياطي للبيانات السحابية، وتحديثات البرامج المنتظمة، وتدريب الموظفين على التوعية بالأمن السيبراني، واستخدام كلمات مرور آمنة، والحصول على برامج حماية متقدمة.
وأبرز التحليل الدور المحوري الذي تؤديه السياحة الرقمية في تنمية الاقتصادات من خلال تعزيز القدرة التنافسية للوجهات السياحية وزيادة تدفق الإيرادات. هذا، وتعمل التقنيات الحديثة مثل: الحجز عبر الإنترنت، والتسويق الرقمي، والواقع الافتراضي، على تحسين الوصول إلى الأسواق العالمية؛ مما يُسهِم في جذب المزيد من السياح من مختلف أنحاء العالم.
وتمثل إندونيسيا إحدى الدول التي لجأت لتوظيف السياحة الرقمية في دعم الاقتصاد؛ حيث أظهرت إمكانات كبيرة في تبني الابتكارات الرقمية لتحسين الاستفادة من إمكانات السياحة في البلاد ودعم الشركات العاملة في هذا المجال؛ بما يُسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، ومن أبرز جهودها في هذا المجال إطلاق برنامج التدريب الرقمي لدعم الشركات السياحية الصغيرة والمتوسطة (Tourism SMEs) وهو برنامج تديره وزارة السياحة والاقتصاد الإبداعي، يقدم تدريبًا في مجالات مختلفة، بما في ذلك التسويق الرقمي وإدارة الحجوزات عبر الإنترنت، للشركات السياحية الصغيرة والمتوسطة في مختلف الوجهات السياحية في إندونيسيا.
أوضح التحليل أن إنشاء مثل هذه البرامج يمنح الشركات السياحية الصغيرة والمتوسطة فرصة كبرى للنمو والمنافسة في العصر الرقمي، وبالتالي يُسهم في النمو الاقتصادي المحلي، وتحقيق شمولية كبرى في صناعة السياحة.
كذلك، يمكن أن تساعد التقنيات والمنصات الرقمية البلدان النامية على تجاوز التحديات التقليدية المتعلقة بإدارة المقاصد السياحية وتعزيز قدرتها على المنافسة. ويمكنها أيضًا إتاحة فرص جديدة للنساء ورواد الأعمال بالمناطق الريفية لتحسين قدرتهم على النفاذ إلى الأسواق وتحقيق الشمول المالي.
على الجانب الآخر، ورغم ما توفره السياحة الرقمية من فرص، فإنها تواجه عددًا من التحديات البارزة، يأتي في مقدمتها:
– ارتفاع تكاليف التنفيذ وعوائق الاستثمار في التكنولوجيا: حيث يحد ارتفاع تكاليف الاستثمار في مجال التكنولوجيا من تبني الأنظمة الرقمية المتطورة، لا سيما بين الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الموارد المالية المحدودة. إضافة إلى تباين القدرة على تبني التكنولوجيا والاستفادة منها.
– الفجوة في المهارات الرقمية: تعوق الفجوة الكبيرة في المهارات الرقمية لدى القوى العاملة الاستخدام الفعال للأدوات الرقمية؛ حيث يفتقر العديد من العاملين في قطاع السياحة إلى الخبرة اللازمة لتشغيل الأنظمة الجديدة أو تحليل البيانات الرقمية؛ مما يقلل من الأثر المحتمل للابتكار.
– تفاوت الوصول إلى الإنترنت: التفاوت في الوصول إلى الإنترنت والبنية التحتية بين المناطق المتقدمة والنامية يخلق فرصًا غير متكافئة لتبني التقنيات الرقمية؛ مما يحُد من القدرة التنافسية والمشاركة في قطاع السياحة العالمي. وفي هذا الصدد، تبرز الحاجة إلى ضخ استثمارات أكبر في البنية التحتية للإنترنت، وتوسيع نطاق الشبكات.
– مخاطر الخصوصية وأمن المعلومات: تبرز مخاوف خصوصية البيانات والأمن السيبراني كمخاطر رئيسة، فمع جمع منصات السفر لكميات هائلة من المعلومات الشخصية، يصبح تأمين البيانات الحساسة من الاختراقات وسوء الاستخدام أولوية ملحة لأصحاب المصلحة في القطاع. كما تضيف محدودية البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبنية التحتية الرقمية، لا سيما في المناطق النامية، عائقًا إلى تفعيل دور التحول الرقمي في قطاع السياحة.
– تحديات الأتمتة والتعاطف: بينما تُحسِّن تقنيات مثل: روبوتات الدردشة، وتسجيل الوصول الآلي، وأنظمة إدارة الموارد الذكية، السرعة بشكل ملحوظ وتقلل الأخطاء البشرية، إلا أنها قد تُقلل من اللمسة الشخصية والدفء العاطفي اللذين يُعدّان أساسيين في الضيافة.
وأوضح مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في ختام التحليل أن السياحة الرقمية لم تعُد خيارًا تكميليًّا في صناعة السفر والسياحة؛ بل أصبحت ركيزة أساسية لإعادة تشكيل القطاع وتعزيز قدرته على التكيف مع التحولات العالمية المتسارعة. وبينما تفتح التقنيات الحديثة آفاقًا واسعة للابتكار، وتوسيع الأسواق، وتحسين تجربة السائحين، فإن تحقيق الاستفادة القصوى منها يتطلب استثمارات استراتيجية في البنية التحتية الرقمية، وتنمية المهارات، وتعزيز الأطر التنظيمية لحماية البيانات وضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ومن ثَمَّ، فإن مستقبل السياحة سيعتمد إلى حدٍّ كبير على قدرة الدول والشركات على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة الرقمية والبعد الإنساني في قطاعي السياحة والسفر، بما يضمن قطاعًا سياحيًّا أكثر تنافسية واستدامة وشمولًا في العصر الرقمي.









