فكرة وُلدت قبل نحو ثماني سنوات أثناء دراسة لسوق العمل الحر العالمي، إلى منصة مصرية تسعى لربط آلاف المستقلين بفرص العمل داخل مصر وخارجها، خاضت رائدة الأعمال نرمين النمر رحلة مليئة بالتحديات لبناء واحدة من أوائل المنصات المصرية المتخصصة في العمل الحر والعمل عن بُعد.
بدأت القصة باسم “الحريفة”، وهو اسم يحمل دلالة مصرية خالصة على الاحتراف والمهارة، قبل أن تتحول المنصة لاحقًا إلى علامة تجارية جديدة تحمل طابعًا أكثر عالمية يتماشى مع خطط التوسع الإقليمي والدولي. وخلال هذه الرحلة، اكتشفت النمر أن التحدي الأكبر الذي يواجه سوق العمل الحر ليس نقص المهارات بقدر ما هو غياب الثقة بين المستقلين والشركات، الأمر الذي دفعها إلى التركيز على بناء منظومة متكاملة تساعد على التحقق من المهارات وتعزيز المصداقية وخلق بيئة عمل أكثر أمانًا للطرفين.
في هذا الحوار، تتحدث نرمين النمر مع ICTBusiness عن قصة تأسيس “الحريفة” وتطورها إلى @Job، وحجم سوق العمل الحر في مصر، والتحديات التي تواجه العاملين المستقلين، ومستقبل العمل عن بُعد، ودور قمة WorkShift 2026 في فتح حوار جاد حول التشريعات والحماية الاجتماعية ومستقبل اقتصاد المهارات في مصر والمنطقة.
■ في البداية.. هل يمكن أن تحدثينا عن حلم “الحريفة” وكيف بدأت؟ وكيف جاء اختيار الاسم؟
بدأت الفكرة عام 2017 عندما كنت أقوم بدراسة لسوق منصات العمل الحر حول العالم، ووقتها اكتشفت وجود آلاف المنصات العالمية المتخصصة في العمل الحر والعمل عن بُعد، لكن لم أجد منصة مصرية واحدة رغم وجود مئات الآلاف من المصريين المسجلين على تلك المنصات ويعملون لصالح شركات خارج مصر.
حينها أدركت أن لدينا كفاءات مصرية متميزة لكنها تعتمد بالكامل على منصات أجنبية، فقررت خوض التجربة وإنشاء أول منصة مصرية متخصصة في العمل الحر والعمل عن بُعد.
أما اسم “الحريفة” فجاء بعد بحث طويل عن اسم مصري يعكس احترافية المصريين وقدرتهم على الإنجاز، فالمصري عندما نصفه بأنه “حريف” فهذا يعني أنه محترف ومتقن لعمله. ومع توسع رؤيتنا نحو الأسواق الإقليمية والعالمية قررنا تطوير الهوية التجارية لتصبح @Job بما يتناسب مع خطط النمو الدولية.
العمل عن بُعد يرفع الإنتاجية بنسبة تصل إلى 25% و 40% من العاملين بالعمل الحر يعتمدون عليه كمصدر دخل رئيسي
■ وما دور الحريفة في انضمام كفاءات بشرية حقيقية لمنظومة العمل الحر وبناء الثقة بين العامل المستقل والشركات؟
أكبر تحدٍ في سوق العمل الحر ليس نقص المهارات، وإنما الثقة، فالشركات تبحث عن شخص قادر على الإنجاز والالتزام، بينما يبحث المستقل عن جهة تمنحه فرصة عادلة وتضمن حقوقه،ومن هنا جاء دور منصة @Job في بناء جسر ثقة بين الطرفين.
نحن لا نكتفي بعرض الوظائف، بل نساعد على تقييم المهارات وربط الشركات بالكفاءات المناسبة، ونشجع على بناء ملفات مهنية احترافية تجعل عملية التوظيف عن بُعد أكثر أمانًا وكفاءة.
■ كم يبلغ عدد العاملين في العمل الحر في مصر حاليًا وفق تقديراتكم؟
لا توجد أرقام حكومية رسمية دقيقة حتى الآن، لكن تقديراتنا تشير إلى وجود أكثر من 500 ألف مصري مسجلين على منصات العمل الحر الإقليمية والعالمية بشكل مباشر.
أما عند احتساب العاملين بشكل غير رسمي، وطلاب الجامعات، والسيدات العاملات من المنزل، والموظفين الذين يعتمدون على العمل الحر كمصدر دخل إضافي، فإن عدد الممارسين للعمل الحر بأشكاله المختلفة يتجاوز 2.5 مليون شخص.
كما تشير التقديرات إلى أن مصر تعد من أسرع أسواق العمل الحر نموًا على مستوى العالم، حيث تصنف مصر ضمن المراكز العشرة الأولى عالمياً.
■ هل لديكم أرقام دقيقة توضح نسبة من يعتمدون على العمل الحر كمصدر دخل أساسي مقابل دخل إضافي؟
لا توجد إحصاءات رسمية شاملة، لكن من خلال ما نرصده في السوق يمكن القول إن ما بين 35% و40% من العاملين في المجال يعتمدون على العمل الحر كمصدر دخل رئيسي، بينما يستخدمه الباقون كمصدر دخل إضافي أو مكمل للوظيفة التقليدية ونلاحظ أن هذه النسبة تتزايد سنويًا مع توسع فرص العمل عن بُعد وزيادة الطلب العالمي على المهارات الرقمية.
■ ما متوسط الدخل الشهري للعامل الحر مقارنة بالوظائف التقليدية؟
من الصعب تحديد متوسط ثابت لأن الأمر يعتمد على المهارة وسنوات الخبرة وطبيعة السوق المستهدف، فالمستقل الذي يعمل بالسوق المحلي يختلف عن الذي يعمل مع شركات خليجية أو أوروبية أو أمريكية.
لكن المؤكد أن العديد من المتخصصين في البرمجة والتصميم والتسويق الرقمي وتحليل البيانات يحققون دخولًا تفوق الوظائف التقليدية بعدة أضعاف نتيجة العمل بالعملات الأجنبية.
■ ما تقييمك لدور الدولة الرقابي على أعمال الفريلانسرز؟
الدولة بدأت تدرك أهمية الاقتصاد الرقمي والعمل الحر باعتباره أحد مصادر جذب العملة الأجنبية ودعم الاقتصاد الوطني، لكن التحدي الحقيقي ليس الرقابة بقدر ما هو بناء إطار تشريعي وتنظيمي يفهم طبيعة العامل المستقل.
الفريلانسر لا يحصل على دخل ثابت شهريًا، وقد يمر بعدة أشهر دون مشروع ثم يحصل على مشروع كبير، وبالتالي لا يمكن معاملته بنفس الآليات المطبقة على أنشطة اقتصادية أخرى تختلف طبيعتها تمامًا.
وهذا أحد الملفات التي تسعى قمة 2026 Work Shift إلى فتح حوار جاد حولها بين العاملين المستقلين والحكومة والقطاع الخاص حيث نستهدف جمع الحكومة والقطاع الخاص وصناع القرار والخبراء على طاولة واحدة للانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ الحقيقي.
مصر مرشحة لتصبح مركزًا إقليميًا لاقتصاد المهارات ..و Work Shift ينطلق نهاية يونيو 2026
■ كم نسبة التسرب أو التوقف عن العمل الحر خلال أول 12 شهرًا؟
لا توجد أرقام رسمية دقيقة، لكن التقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الداخلين الجدد تتوقف خلال العام الأول، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها عدم امتلاك المهارات الكافية، وضعف القدرة على التسويق الشخصي، وعدم الاستعداد لطبيعة الدخل غير المنتظم، بالإضافة إلى ضعف الثقافة المالية لدى البعض.
■ ما نسبة الشركات التي اعتمدت نموذج العمل عن بُعد أو الهجين حتى 2026؟
بعد جائحة كورونا حدث تحول كبير في نظرة الشركات لهذا النموذج، ورغم استمرار بعض المقاومة داخل عدد من المؤسسات، فإننا نقدر أن ما بين 35% و40% من الشركات المتوسطة والكبيرة أصبحت تطبق بشكل أو بآخر نماذج العمل الهجين أو العمل عن بُعد، وهي نسبة أعلى بكثير مقارنة بعام 2022.
■ كم تُقدَّر إنتاجية العاملين عن بُعد مقارنة بالعاملين داخل المكاتب؟
في العديد من الوظائف الرقمية ترتفع الإنتاجية بشكل ملحوظ نتيجة توفير وقت المواصلات وتقليل الضغوط اليومية، وتجارب كثيرة أثبتت أن الإنتاجية قد ترتفع بنسب تتراوح بين 10% و25% عند تطبيق العمل عن بُعد بشكل احترافي.
كما أن اعتماد الحكومة المصرية ليوم عمل عن بُعد أسبوعيًا هو يوم الأحد من كل أسبوع في عدد من الوزارات والهيئات و الجهات الحكومية يعكس قناعة متزايدة بجدوى هذا النموذج ويمثل تجربة فريدة لن ينعكس أثرها فقط على الانتاجية ولكن ايضاً ترشيد الانفاق الحكومى وهو ما ينعكس بالإيجاب على الموازنة العامة للدولة.
■ هل هناك أرقام توضح حجم التوفير في التكاليف التشغيلية للشركات؟
العديد من الدراسات العالمية تشير إلى أن الشركات تستطيع خفض التكاليف التشغيلية بنسب قد تصل إلى 30% أو أكثر من خلال تطبيق نماذج العمل المرن، خاصة فيما يتعلق بالمقار الإدارية والطاقة والخدمات التشغيلية.
ولعل قرار مجلس الوزراء باعتماد يوم عمل أسبوعى من المنزل لكافة العاملين بالحكومة يدل بشكل قاطع على جدوى تلك الدرسات وأثرها الواضح فى خفض التكاليف التشغلية.
■ ما عدد المشاركين المتوقع في قمة WorkShift هذا العام؟
هذه هي النسخة الأولى للقمة بصيغتها التنفيذية المتخصصة، ونستهدف حضور أكثر من 200 رئيس تنفيذي ومسؤول حكومي وصانع قرار كما تم توجيه الدعوات إلى عدد من الوزارات المعنية بمستقبل العمل، من بينها الاتصالات والعمل والمالية والاستثمار والتخطيط والتعليم العالي والشباب والرياضة والتضامن الاجتماعي.
■ كم شركة ومنصة دولية ومحلية مشاركة هذا العام؟
نعمل حاليًا على استقطاب مجموعة متنوعة من شركات التكنولوجيا والتوظيف والتدريب والتحول الرقمي، إلى جانب جهات حكومية وشركاء دوليين.
والهدف ليس عدد الجهات المشاركة بقدر ما هو جودة الشراكات التي يمكن أن تنتج عن القمة.
■ ما المؤشر الحقيقي لنجاح القمة؟
بالنسبة لنا النجاح لا يُقاس بعدد الحضور فقط، المؤشر الحقيقي هو عدد الشراكات ومذكرات التفاهم التي سيتم توقيعها، ومدى مساهمة القمة في رفع الوعي بمفهوم العمل المستقل والعمل عن بُعد، وفتح حوار حقيقي بين الحكومة والشركات والعاملين المستقلين.
■ رغم انتشار العمل الحر، كم نسبة العاملين الذين لا يمتلكون تأمينًا صحيًا أو اجتماعيًا؟
لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة، لكن نسبة كبيرة من العاملين في الاقتصاد الحر ما زالت خارج مظلات التأمين التقليدية، وهو ما يجعل ملف الحماية الاجتماعية أحد أهم الملفات المطروحة للنقاش خلال القمة لذلك وجهنا الدعوة للدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي والسيد أحمد كجوك وزير المالية.
■ هل يمكن قياس استدامة الدخل في العمل الحر؟
استدامة الدخل تعتمد على المهارات وتنوع العملاء أكثر من اعتمادها على المنصة نفسها، حيث كلما امتلك المستقل مهارات مطلوبة عالميًا وتمكن من بناء قاعدة عملاء متنوعة، زادت قدرته على تحقيق دخل مستقر ومستدام.
■ إلى أي مدى يمكن اعتبار العمل الحر بديلاً حقيقيًا لسوق العمل التقليدي خلال 5 سنوات؟
أنا لا أرى العمل الحر بديلاً كاملاً للوظائف التقليدية، لكنه سيكون أحد المكونات الرئيسية لسوق العمل، فالعالم يتجه نحو اقتصاد المهارات والعمل بالمشروعات والعمل المرن، وهو ما سيجعل العمل الحر شريكًا أساسيًا في منظومة التشغيل خلال السنوات القادمة.
■ ما توقعاتكم لنمو سوق العمل الحر في مصر حتى 2030؟
أتوقع استمرار معدلات النمو القوية مدفوعة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب العالمي على المهارات الرقمية.
ومع تطور البيئة التنظيمية والتدريبية يمكن أن تصبح مصر واحدة من أهم أسواق العمل الحر والخدمات الرقمية في المنطقة.
■ كم وظيفة تقليدية يمكن أن تتحول إلى وظائف مرنة أو عن بُعد خلال السنوات الخمس القادمة؟
التقديرات العالمية تشير إلى أن نحو 40% من الوظائف يمكن تنفيذها عن بُعد بدرجات مختلفة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والتسويق والإبداع الرقمي وخدمة العملاء وتحليل البيانات.
■ هل تتوقعون أن يصل العمل الحر إلى أكثر من 30% من القوى العاملة في المنطقة؟
أعتقد أن هذا السيناريو واقعي جدًا، فوفق بيانات دولية، تمثل الوظائف ذاتية التشغيل نحو 47% من القوى العاملة عالميًا، بينما تقترب النسبة في مصر من 30%.
ومع توسع الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد والذكاء الاصطناعي، أتوقع أن تشهد المنطقة نموًا مستمرًا في هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.







