مقالات

محمد لطفي يكتب: نصف عقد على الفراق

آآآآآآآآه من ألم الفراق ، في الأول من سبتمبر 2021، ذلك اليوم المشئوم  رحل عني صديقي وأخي وعشرة سنوات في بلاط صاحبة الجلالة أحمد عواد أو كما كنا نطلق عليه الدكتور فلكل داء دواء يستطب به  في مهنة الصحافة عند أحمد عود .. وبعد خمس سنوات، وما زالت صدمة الرحيل حاضرة، كأنها وقعت بالأمس  ،منذ أن عرفت الأستاذ أحمد عواد في يونيو عام 2000، لم أكن أعرف أن ذلك اللقاء العابر سيكون بداية حكاية عمر كامل.. حكاية بدأت بزمالة، ثم تحولت إلى صداقة، ثم إلى رفقة، حتى أصبحنا، بمرور الأيام، أشبه بتوأمٍ ملتصق.. أينما كان عواد، كنت بجواره، وأينما كنت، كان عواد حاضرًا.

تزاملنا، وشددنا أزر بعضنا البعض، وتقاسمنا أيام المهنة بحلوها ومرها، حتى كسرة الخبز  قسمناها سويًا وواجهنا معًا عناء الطريق،  وأعباء الحياة وفرحة النجاح، وقلق البدايات، وأحلامًا صغيرة كبرت معنا يومًا بعد يوم حتى دخولنا لنقابة الصحفيين كنا في نفس لجنة القيد ونفس اليوم ولو شاء الزمان لكنا لنحمل نفس أرقام عضوية النقابة.

لم تكن الصحافة بالنسبة لنا مجرد وظيفة.. كانت حياة كاملة ، كنا نحلم، ونسعى، ونتعب، ونختلف أحيانًا، ثم نعود لنقف إلى جوار بعضنا البعض. ومع السنوات، وجدنا أنفسنا وقد وصلنا ـ بفضل الله أولًا، ثم بجهودنا واجتهادنا ـ إلى عنان السماء في صحافة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات.

نافسنا هذا، وتجاوزنا ذاك، وشددنا أزر جيل كامل من الرواد، حتى أصبح لنا مكان بين من صنعوا لهذه الصحافة اسمًا ومكانة.

لكن أجمل ما في رحلتنا لم يكن النجاح المهني وحده كان بيننا موعد لا يتغير منذ سنوات كثيرة رحلة صيفية كل عام.

نجلس سويًا بأهالينا وعائلاتنا، نلتقي أطراف الحديث، نستعيد الذكريات، نضحك على أحلامنا الصغيرة التي كبرت معنا، ونتأمل ما فعلته بنا الأيام ونتذكر حنين الماضي ونحمد الله على ما وصلنا إليه حتى كنا قد اقتربنا من ملامسة السماء ، كان موعدنا هذه المرة مختلفًا.

جاء الأول من سبتمبر.. اليوم الذي كان يفترض أن يكون مجرد محطة في رحلة جديدة.

لكن عواد اعتذر عن اصطحابنا في الرحلة الصيفية السنوية بسبب نزلة برد وتعب ألم به جراء وقوفه في عزاء شقيقه الأكبر الذي رحل عن دنيانا قبل عواد بشهر تقريبا كنت واقفا معه في العزاء وحذرته من الوقوف طويلا وسط الاقارب والمعارف بسبب ضعف مناعته وخوفا عليه ضح وسم وقالي سبها لله يا عم محمد -كلماته ترن في أذني حتى اليوم وهو يربت على كتفي- ودعني في هذا اليوم كما ودع الكثير من الزملاء الذي تركوا اعمالهم ومؤتمراتهم لعزاء عواد في شقيقه لانه لم يبخل على أحد في أداء واجب .

وبعد أيام قليلة من هذا الحدث الجلل كان المرض قد أنهكه، وكان جسده الهش ـ الذي طالما خفت عليه حتى من شبح نزلة برد ـ يواجه هذه المرة عدوًا أكثر قسوة.. كورونا وما أدراك ما كورونا  ذلك الشبح اللعين الذي لازمنا شهورًا وأيامًا، وأخذ منا أحبة وأصدقاء، ولم يرحم عواد.

لم يكن عواد من أصحاب الأجساد القوية.. كان يعرف هشاشة جسده، وكنا نعرفها معه، ولذلك كان يتوخى الحذر، ويخشى المرض، ويحسب خطواته لكن أمام الموت لا تنفع الحسابات.

اتفقنا أن أسافر مع أسرتي، وأن أعود، وفور عودتي أكون في ضيافته بمنزله الجديد الذي شيده بتعب وعرق ومال حلال

كان يريد أن يقيم وليمة على شرف صغيري مراد.

كان يريد أن يراه.

وكانت تلك واحدة من آخر الوعود التي بيننا.

لكن عواد لم يمهله القدر حتى ينفذ وعده وخطفه الموت من بيننا وعمره لم يتجاوز 48 ربيعًا

عدت من السفر، وبعد بضعة أيام استيقظت على النبأ الذي أوقف القلب قبل أن يصل إلى العقل.

جاء صوت زميلي الاستاذ أحمد العطار في تمام الثامنة و 21 دقيقة صباح هذا اليوم المشئوم ، عطار من عادته لا يستيقظ بدري ولم يكن بيني وبينه مكالمات في هذا التوقيت تذكر وجاء صوته : الباقء لله عواد مات وخرجت روحه إلى بارئها.

لم أدري كيف عدت السويعات التالية ووليدي مراد على كتفي وفي سيارتي لاصحطابة لاخذ جرعة التطعيم الدورية ، لم أعرف ماذا افعل حالة هسيرية من البكاء الشديد وغصة في القلب ربما لم أشعر بها الا في فراق عزيز لدي .

وفي لحظة واحدة، انتهت رحلة استمرت أكثر من عشرين عامًا.

بكيت عواد..

وبكاه كثيرون.

بكته الصحافة، وبكاه أبناء المهنة، وبكاه كل من عرف قلبه قبل قلمه.

أما أنا، فلم أجد الكلمات التي تليق بمكانته في قلبي.

كنت أبكيه حتى خُيل إليّ أن عيني ستبيض من الحزن، وأن القلب الذي اعتاد أن يجد عواد إلى جواره، لن يعرف كيف يكمل الطريق وحده.

حقًا مات الأستاذ.. وانكسر العكاز.

ذلك العكاز الذي لم يكن مجرد استعارة جميلة، بل كان حقيقة عشتها معه.

كنا نتكئ على بعضنا البعض إذا تعثر أحدنا، أسنده الآخر ، إذا ضاقت الدنيا، وسّعها الآخر بكلمة وإذا انتصر أحدنا، كان الآخر أول من يفرح له.

خرجنا سويًا..

أكلنا من طبق واحد..

تقاسمنا لقمة العيش الحلال..

وتوخينا الحذر، وابتعدنا عن الحرام.

تقاسمنا التعب قبل النجاح، والجوع قبل الشبع، والخوف قبل الطمأنينة، والحلم قبل أن يصبح حقيقة.

ولذلك لم يكن أحمد عواد بالنسبة لي مجرد زميل أو صديق.

كان جزءًا من العمر.

كان قطعة من الطريق.

كان شاهدًا على سنوات لا يمكن أن تعود.

واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على رحيله، ما زال الأول من سبتمبر علامة فارقة في حياتي، وفي حياة كل من عرف عواد وأحبه.

خمس سنوات مرت..لكنها لم تأخذ معه ذكراه ، فبعض الناس حين يرحلون، يغيبون عن العين فقط، لكنهم يظلون يسكنون في تفاصيل الحياة.

في مكان اعتدنا أن نجلس فيه..

في مكالمة هاتفية نفتقدها..

في نكتة لا نجد من يضحك عليها بالطريقة نفسها..

في خبر مهني كنا نتناقش حوله..

وفي كرسي فارغ يصرخ فينا كلما نظرنا إليه.

وأنا كلما جاء الأول من سبتمبر، أتذكر أنني لم أفقد صديقًا فقط..

لقد فقدت رفيق الطريق.

فقدت من كان يقف بجواري دون أن أطلب.

فقدت نصف الحكاية.

وفقدت عكازي.

وما زلت أتذكر ذلك الاتفاق الصغير..

الوليمة التي لم تُقم..

والضيف الصغير الذي لم يره عواد..

مراد الذي مات عواد قبل أن يراه.

ربما كان هذا أكثر ما يؤلمني.أن هناك أشياء صغيرة جدًا كان يمكن أن تمنحنا فرحة كبيرة، لكن الموت كان أسرع.

يا عواد..

خمس سنوات يا صديقي..

وما زلت لا أعرف كيف اعتدت غيابك.

أحيانًا أشعر أنك ستظهر فجأة، تحمل ابتسامتك، وتقول لي: «عامل إيه؟» كما كنت تفعل دائمًا.

ثم أتذكر..

أنك رحلت.

فأصمت.

وأعود إلى تلك الحقيقة الموجعة:

أن الموت لا يأخذ الأشخاص فقط.. الموت يأخذ معهم جزءًا من أرواحنا.

رحلت يا عواد، لكنك تركت خلفك سيرة طيبة، وقلوبًا كثيرة لا تزال تذكرك بالخير، وأصدقاءً لم تنجح السنوات في إقناعهم بأنك أصبحت ذكرى.

ستظل حاضرًا ما بقيت أنا، وما بقي كل من أحبك وسيظل الأول من سبتمبر يومًا لا يشبه غيره ، يومًا أتذكر فيه أنني فقدت صديقي، ورفيق عمري، وشريكي في المهنة، ومن شددت معه أزري وشد معي أزره.

رحمك الله يا أحمد عواد.

رحم الله ضحكتك، ورفقتك، وقلبك الطيب، وقلمك، وأيامنا التي لن تعود.

رحم الله صاحب الضرب..

ورفيق الطريق..

وصديق العمر.

سلامٌ عليك يا عواد يوم وُلدت، ويوم رحلت، ويوم تبعث حيًا

ربنا يرحمك يا عواد..

 

بقلم / محمد لطفي 

رئيس شعبة صحفي الاتصالات بنقابة الصحفيين 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى