
إعداد فريق ICTBusiness
بين سوق مصري مرشح للوصول إلى 694 مليون دولار بحلول 2030، واستثمارات جديدة بمليارات الدولارات، وقدرات تتوسع إلى مئات الميجاوات واهتمام رئاسي منقطع النظير.. تتحول مراكز البيانات من مجرد بنية تحتية للاتصالات إلى أصل استراتيجي يرتبط بالطاقة والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.
لم يعد السؤال في مصر هو: هل نحتاج إلى مراكز بيانات؟ وإنما أصبح: كيف نبني صناعة وطنية لمراكز البيانات قادرة على المنافسة إقليميًا، وجذب الاستثمارات، وتوفير الطاقة والحوسبة، وخدمة اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
هذا التحول دفع الحكومة المصرية خلال 2026 إلى التحرك نحو إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لصناعة مراكز البيانات تنطلق رسميا قبل نهاية العام الجاري، في وقت تتسارع فيه المنافسة الإقليمية، خصوصًا من السعودية والإمارات، على استقطاب الاستثمارات العالمية ومشروعات مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
ماذا يحدث؟
خلال الأشهر الأخيرة انتقل ملف مراكز البيانات في مصر من نطاق مشروعات منفردة إلى مستوى التخطيط الوطني ، ففي مارس 2026، أعلنت وزارة الاتصالات ووزارة الكهرباء الاتفاق على تشكيل فريق عمل مشترك لإعداد استراتيجية لصناعة مراكز البيانات، تتضمن دراسة حوافز استثمارية، وضمان استدامة إمدادات الطاقة بأسعار تنافسية، وتبسيط إجراءات التراخيص وتخصيص الأراضي، وتشجيع مراكز البيانات الخضراء واستخدام الطاقة المتجددة.
وفي يونيو 2026، اجتمعت وزارات الكهرباء والاتصالات والاستثمار لوضع الخطوات التنفيذية للاستراتيجية الوطنية، مع التركيز على تحديد المواقع المتاحة، ومصادر الطاقة المتجددة، والحوافز الاستثمارية، وجاهزية البنية الأساسية للاتصالات والكهرباء، وإعداد خريطة استثمارية موحدة للمشروعات.
ثم جاءت تحركات سبتمبر لتكشف عن حجم التسارع في السوق؛ إذ أعلنت شراكة فودافون بيزنس والسويدي إليكتريك وكاسافا تكنولوجيز إنشاء مشروع Africa Data Centres Egypt بسعة مستهدفة تصل إلى 200 ميجاوات، واستثمارات إجمالية تصل إلى مليار دولار عند اكتمال السعة، تبدأ بنحو 20 ميجاوات واستثمارات تقارب 200 مليون دولار في المرحلة الأولى.
وفي الوقت نفسه، يجري تطوير مركز «كيميت» للبيانات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بقدرة إجمالية مستهدفة تبلغ 80 ميجاوات.
أي أن مصر لا تبدأ من الصفر، لكن المشروعات الجديدة تكشف في المقابل أن حجم الاستثمار المتوقع أصبح أكبر من أن تتم إدارته بمنطق كل مشروع على حدة.
والسؤال الذي يطل برأسه علينا : لماذا الآن؟
هناك أربعة أسباب رئيسية تجعل توقيت الاستراتيجية مهمًا.
1- الذكاء الاصطناعي غيّر معادلة مراكز البيانات
مراكز البيانات لم تعد مخصصة فقط لتخزين المعلومات وتشغيل التطبيقات، بل أصبحت البنية الأساسية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء والخدمات السحابية.
ومع ارتفاع أحمال الذكاء الاصطناعي، أصبحت الكهرباء والمياه والتبريد والأراضي والربط الشبكي عناصر حاسمة في قرار الاستثمار، وليس مجرد توافر الإنترنت.
وتشير بيانات نشرها ICTBusiness استنادًا إلى تحليلات دولية إلى أن استثمارات مراكز البيانات عالميًا اقتربت من نصف تريليون دولار في 2024، فيما بلغت حصة مراكز البيانات نحو 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي في العام نفسه.
2- الطاقة أصبحت جزءًا من استراتيجية البيانات
يقول المهندس محمد المفتي، رئيس ICTMISR، ، إن الطلب العالمي على الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات متوقع أن يرتفع 27% خلال 2026، مشيرًا إلى فجوة زمنية بين بناء مركز البيانات وربطه بشبكة الكهرباء؛ إذ قد يستغرق بناء المركز 12 إلى 18 شهرًا، بينما قد تمتد عملية ربطه بالشبكة إلى سنوات في بعض الأسواق.
وهنا تظهر أهمية أن تكون استراتيجية مراكز البيانات مرتبطة من البداية باستراتيجية الطاقة.
3- المنافسة الإقليمية لم تعد نظرية
السعودية والإمارات لا تنتظران نمو الطلب، وإنما تعملان على بناء قدرات ضخمة مسبقًا، وجذب شركات التكنولوجيا العالمية، وربط مراكز البيانات باستراتيجيات الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.
4- مصر أمام فرصة جغرافية لا تتكرر
تمتلك مصر موقعًا بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وشبكة كبيرة من الكابلات البحرية الدولية، وهو ما يمنحها ميزة في حركة البيانات العابرة للحدود.
ووفق بيانات أوردها مركز معلومات مجلس الوزراء مصر متصلة ب 20 كابلًا بحريا لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا إقليميًا للبيانات؛ المطلوب تحويل هذه الميزة إلى قدرات حوسبية واستضافة وخدمات سحابية وتصدير رقمي.
كم حجم السوق المصري؟
وفق تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بلغت قيمة سوق مراكز البيانات في مصر نحو 278 مليون دولار في 2024، مع توقعات بوصولها إلى 694 مليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 16.47%.
فبحسب تصريحات شركة IoT Misr التي نقلتها ICTBusiness، من المتوقع أن يصل حجم الطلب المحلي على مراكز البيانات إلى نحو 1.14 مليار دولار بحلول 2030، مع توقعات بأن يبلغ حجم السوق نحو 28 ميجاوات بحلول 2029 وفق تقديرات الشركة.
والأهم أن السوق بدأت تجذب مشروعات كبيرة؛ فمشروع Africa Data Centres Egypt وحده يستهدف 200 ميجاوات واستثمارات تصل إلى مليار دولار عند اكتمال التوسع.
السعودية.. أين وصلت؟
السعودية تقدم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع مراكز البيانات، لأنها ربطت القطاع بصورة مباشرة باستراتيجية البيانات والذكاء الاصطناعي ورؤية 2030 وبحسب بيانات رسمية سعودية، ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات من 68 ميجاوات في 2021 إلى أكثر من 440 ميجاوات في 2025، مع وجود أكثر من 60 مركز بيانات تطورها أكثر من 20 شركة، واستثمارات تتجاوز 16 مليار ريال سعودي وفي الربع الأول من 2026 ارتفعت القدرة التشغيلية إلى 467 ميجاوات.
والأكثر دلالة أن السعودية لا تتوقف عند القدرات الحالية؛ ففي يناير 2026 بدأ العمل في مشروع مركز بيانات «Hexagon» التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بطاقة إجمالية تبلغ 480 ميجاوات.
كما أعلنت السعودية في سبتمبر 2026 استثمارات بنحو 2.5 مليار دولار في يوم واحد ضمن فعاليات LEAP، تضمنت مشروعًا لتوسيع مراكز البيانات إلى قدرة تشغيلية إجمالية تبلغ 192 ميجاوات، ومشروعًا آخر بقيمة 880 مليون دولار يستهدف قدرة تصل إلى 65 ميجاوات بحلول 2033.
وهكذا، فإن السعودية تتحرك بمنطق بناء القدرة ثم جذب الطلب العالمي، وليس فقط تلبية الطلب المحلي.
الإمارات.. أين وصلت؟
الإمارات تتحرك هي الأخرى من قاعدة قوية، خصوصًا في دبي وأبوظبي.
وبحسب تقرير Knight Frank الصادر في أكتوبر 2025، تجاوزت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في الإمارات 376 ميجاوات، مع إضافة 19.2 ميجاوات خلال 2025، بينما بلغت نسبة الشواغر في سوق الاستضافة المشتركة نحو 2.4%، وهي نسبة تعكس محدودية الطاقة المتاحة مقارنة بالطلب.
كما تمتلك «خزنة» الإماراتية حضورًا كبيرًا في السوق؛ إذ نقلت ICTBusiness في 2025 عن رئيسها التنفيذي أن الشركة تستحوذ على نحو 71% من سعة مراكز البيانات الحالية في الإمارات، بالتزامن مع توسعها في السعودية.
وفي الاتجاه الأضخم، تعمل الإمارات على تطوير منظومة مراكز بيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن مشروع Stargate الإماراتي، الذي يستهدف في صورته المعلنة قدرات تصل إلى 5 جيجاوات على المدى المستهدف، بينما بدأت المرحلة الأولى بمشروع حوسبة قدرته 1 جيجاوات، مع استهداف تشغيل أول 200 ميجاوات خلال 2026.
وفي يونيو 2026، أنشأت الإمارات هيئة الذكاء الاصطناعي والبيانات كجهة وطنية تجمع وظائف البيانات والذكاء الاصطناعي والحكومة الرقمية، وهو مؤشر على انتقال إدارة البيانات والذكاء الاصطناعي إلى مستوى مؤسسي أكثر تكاملًا.
ويبقى السؤال الأهم : أين تقف مصر؟
مصر لديها بالفعل مجموعة من المقومات المهمة:
- سوق محلي كبير.
- موقع جغرافي استراتيجي.
- شبكة كابلات بحرية دولية.
- نمو سريع في التحول الرقمي.
- استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي.
- إطار تنظيمي لإنشاء وتشغيل مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
- مشروعات جديدة بمئات الميجاوات ومليارات الدولارات.
لكن الفارق الأساسي أن مصر تنتقل الآن إلى مرحلة بناء استراتيجية موحدة للصناعة، بينما قطعت السعودية والإمارات خطوات أكبر في بناء القدرات التشغيلية وجذب الاستثمارات الضخمة.
وفي مارس ويونيو 2026، كانت الحكومة المصرية لا تزال تعمل على إعداد الاستراتيجية الوطنية، بما يشمل خريطة للمواقع والطاقة والحوافز والتراخيص والبنية الأساسية.
وفي سبتمبر 2026، أكدت وزارة الاتصالات أن الاستراتيجية الجاري إعدادها تستهدف تحديد الاحتياجات المستقبلية للدولة والقطاعات الاقتصادية من القدرات التخزينية والحوسبية، ووضع برامج تنافسية لجذب الاستثمارات، ومراجعة الأطر التنظيمية والتشريعية، وتنمية الكفاءات، وتعزيز السيادة الرقمية.
ما العقبات التي تواجه مصر؟
- الكهرباء
ربما تكون أكبر تحدٍ.
مركز البيانات لا يحتاج فقط إلى الكهرباء، وإنما يحتاج إلى كهرباء مستقرة، مستمرة، قابلة للتوسع وبأسعار تمكن المشروع من المنافسة.
ولهذا جاء ملف الطاقة في قلب التحركات الحكومية الخاصة بالاستراتيجية، مع بحث استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتوفير اتفاقات طويلة الأجل للمستثمرين.
2- الأراضي والمواقع
المستثمر العالمي يريد أن يعرف قبل اتخاذ القرار:
أين سيبني؟ كم تستغرق إجراءات التخصيص؟ هل الأرض جاهزة؟ ما قدرة الشبكة الكهربائية؟ وما زمن الحصول على التراخيص؟
لذلك تتضمن التحركات الحكومية إعداد خريطة استثمارية موحدة لمواقع مراكز البيانات، تشمل المرافق والطاقة والحوافز.
3- الحوافز
مصر تنافس أسواقًا تستطيع تقديم حوافز ضخمة وسرعة أكبر في التنفيذ.
ومن ثم فإن الحوافز لا يجب أن تقتصر على الإعفاءات الضريبية، وإنما تشمل الطاقة، والأراضي، والجمارك، والاستيراد، والربط، والتراخيص، والطاقة المتجددة.
4-التنظيم والسرعة
مركز البيانات مشروع رأسمالي ضخم، وأي تأخير في الترخيص أو تخصيص الأرض أو الربط الكهربائي يمكن أن يرفع التكلفة ويؤثر على قرار المستثمر.
ولهذا تتضمن الاستراتيجية المصرية المقترحة مراجعة القواعد التنظيمية والتشريعية.
5- نقص القدرات المتخصصة
صناعة مراكز البيانات تحتاج إلى مهندسين متخصصين في الطاقة والتبريد والشبكات والأمن السيبراني وإدارة البنية التحتية والذكاء الاصطناعي.
وبالتالي فإن استراتيجية مراكز البيانات يجب أن تكون أيضًا استراتيجية للمهارات.
6- الطاقة الخضراء والاستدامة
مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ومع توسع الذكاء الاصطناعي ستصبح كفاءة الطاقة والتبريد والانبعاثات جزءًا من قرار الشركات العالمية بشأن مكان الاستثمار.
مصر لديها فرصة، لكن الفرصة أصبحت مرتبطة بالسرعة فالسوق المصرية تنمو، والاستثمارات بدأت تظهر بمشروعات تصل إلى 200 ميجاوات ومليار دولار، بينما تجاوزت السعودية 467 ميجاوات تشغيلية في الربع الأول من 2026، وتجاوزت الإمارات 376 ميجاوات وفق أحدث البيانات المتاحة التي تم رصدها.
وفي الوقت نفسه، تتحرك السعودية والإمارات باتجاه مشروعات أضخم مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء لذلك فإن أهمية الاستراتيجية المصرية لا تكمن فقط في جذب المزيد من مراكز البيانات، وإنما في تحديد الإجابة عن سؤال أكبر:
هل تريد مصر أن تكون مكانًا تُخزَّن فيه البيانات، أم مركزًا إقليميًا تُخزَّن فيه البيانات وتُعالج وتُشغّل فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتُصدَّر منه الخدمات الرقمية إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي يجب أن تحدد حجم الطاقة، والأراضي، والاستثمارات، والحوافز، والتشريعات، والمهارات التي ستتضمنها الاستراتيجية الوطنية المقبلة.










