أسامة كمال.. من الميكروفون إلى صناعة التكنولوجيا.. 30 عامًا من رحلة Cairo ICT (بروفايل)
من بدايات الإعلام عام 1982 إلى تأسيس منصة تكنولوجية عام 1996، حكاية إعلامي راهن مبكرًا على تقاطع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية والبودكاست ، وصولًا إلى الاحتفال بالنسخة الثلاثين من Cairo ICT في نوفمبر 2026
لم يكن أسامة كمال ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا منفصلًا عن بقية القطاعات، بل باعتبارها قوة قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والإعلام والخدمات والحياة اليومية. لم تكن رحلة أسامة كمال مجرد مسيرة إعلامي انتقل بين الإذاعة والتليفزيون، بل تجربة جمعت بين الحس الإعلامي والرؤية الاقتصادية والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات ممتدة. كانت هذه الرؤية وراء إطلاق معرض “كايرو تيليكومب” عام 1996، في وقت لم تكن فيه العلاقة بين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام واضحة بالقدر الذي نراه اليوم.
وبعد ثلاثة عقود، يستعد المعرض للاحتفال بدورته الثلاثين، بعدما تحول من فعالية متخصصة في الاتصالات والتكنولوجيا إلى منصة تجمع الشركات العالمية والمحلية، والمؤسسات الحكومية، والمستثمرين، والخبراء، والشباب، وتناقش من خلالها التحولات الكبرى في الاقتصاد الرقمي. وبين البدايات ومحطة 2026، تتقاطع رحلة المعرض مع مسيرة صاحبه، الإعلامي ورجل الأعمال أسامة كمال.
من ماسبيرو إلى عالم الأعمال
بدأت رحلة أسامة كمال المهنية في الإعلام عام 1982، عندما التحق بالعمل في التلفزيون المصري، وتحديدًا بالبرنامج الأوروبي. لكن تجربته لم تتوقف عند الميكروفون والكاميرا؛ إذ اتجه إلى تأسيس مشروعات في مجالات مرتبطة بالإعلام وتنظيم الفعاليات، في مسار جمع بين العمل الإعلامي وروح المبادرة الخاصة.
وفي عام 1989، أسس شركة لتقديم خدمات الترجمة الفورية في المؤتمرات، ثم خاض تجربة تنظيم معرض «لاكازا» للأثاث عام 1991. وقد وفرت له هذه الخبرات مدخلًا عمليًا إلى عالم المعارض، قبل أن يقرر الانتقال إلى مجال كان يرى أن مستقبله يتجاوز حدود نشاطه المباشر.
كان التحدي بالنسبة إليه هو الانتقال من تنظيم حدث تجاري إلى بناء منصة تستطيع جمع قطاعات لم تكن ترى في البداية مصالح مشتركة بينها. ومن هنا بدأت الفكرة التي ستصبح لاحقًا مشروعه الأبرز.
1996.. الرهان على المستقبل
في عام 1996، أطلق أسامة كمال أولى دورات المعرض المتخصص في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية والبث، والذي عُرف في بداياته باسم «كايرو تيليكومب». وجاءت الفكرة من قناعة مبكرة بأن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام ستتقاطع تدريجيًا، وأن هذا التقاطع سيخلق فرصًا جديدة للأعمال والاستثمار.
لم تكن البدايات سهلة؛ لم تكن بعض شركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ترى آنذاك رابطًا واضحًا بين أنشطتها، كما كانت سوق الاتصالات المصرية مختلفة تمامًا عن واقعها الحالي.
لكن تزامن انطلاق المعرض مع الاستعداد لإطلاق أول شبكة محمول في مصر خلال نوفمبر 1996 منح الحدث أهمية خاصة، وساهم في زيادة اهتمام الشركات بالمشاركة. وهكذا ارتبطت الدورة الأولى بلحظة فارقة في تاريخ الاتصالات المصرية، وأصبح المعرض شاهدًا على التحول من سوق تعتمد بدرجة كبيرة على الاتصالات التقليدية إلى سوق تتوسع تدريجيًا في خدمات المحمول والتكنولوجيا الرقمية.
من «كايرو تيليكومب» إلى Cairo ICT
لم يكن تغيير اسم المعرض مجرد تحديث للعلامة التجارية؛ بل عكس اتساع رؤيته. ومع بداية الألفية الجديدة، ثم اعتماد اسم Cairo ICT بصورة أوسع في عام 2003، أصبح الحدث أكثر تعبيرًا عن التداخل بين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتهما في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
على مدار السنوات، سعى المعرض إلى أن يكون مساحة لإطلاق الخدمات والمبادرات وعرض التقنيات الجديدة، وليس مجرد مكان تستعرض فيه الشركات منتجاتها. وتحدث كمال في حوارات سابقة عن ارتباط المعرض بإطلاق مبادرات وخدمات في مجالات الاتصالات والإنترنت، وعن رؤيته للتكنولوجيا باعتبارها محركًا لتطوير قطاعات أخرى، من الخدمات المالية إلى النقل والمدن الذكية.
كانت الفكرة الأساسية هي توسيع دائرة الحوار حول التكنولوجيا: من شركات الاتصالات والحاسبات إلى البنوك والمدفوعات، ومن البنية التحتية إلى الخدمات الحكومية، ومن المنتجات إلى التطبيقات التي تغير طريقة تقديم الخدمات وإدارة الأعمال.
المعرض يتوسع.. والتكنولوجيا تتجاوز حدودها
مع تطور السوق، توسعت المنصة لتضم فعاليات متخصصة في مجالات متصلة بالاقتصاد الرقمي. وجاءت PAFIX لتمنح التكنولوجيا المالية والمدفوعات مساحة متخصصة، فيما نشأت فعاليات أخرى، من بينها Connecta، للاقتراب من الشباب والمهارات وفرص المستقبل. كما خرج معرض TransMEA للنقل الذكي من رحم Cairo ICT ليصبح فعالية مستقلة، في مثال على قدرة الفكرة الأصلية على استيعاب قطاعات جديدة ثم منحها مساحتها الخاصة. وخرج ايضا فعالية ضخمة للأمن السيبراني والمعلوماتي CAISEC على مدار بضع دوارت ترسم ملامح مستقبل الأمن السيبراني في مصر والمنطقة.
هذا التوسع يعكس تحولًا في مفهوم المعرض نفسه. فالتكنولوجيا لم تعد موضوعًا يخص المتخصصين وحدهم؛ بل أصبحت جزءًا من عمل البنوك، وإدارة المدن، والنقل، والخدمات الحكومية، والتعليم، وريادة الأعمال. ومع كل تحول جديد، ظهرت الحاجة إلى منصات تجمع أصحاب القرار ومقدمي الحلول والمستخدمين حول تطبيقات عملية.
ومن هذا المنطلق، أصبح نجاح Cairo ICT مرتبطًا بقدرته على متابعة التغيرات في السوق، وتقديم مساحة للحوار بين الشركات والحكومة والمجتمع، مع الحفاظ على هويته بوصفه معرضًا مصريًا يمتلك امتدادًا إقليميًا.
ثلاثة عقود من التحولات الرقمية
تتيح مسيرة Cairo ICT قراءة موازية لتطور قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر. ففي بداياته، كانت الاتصالات المحمولة وتكنولوجيا المعلومات من أبرز موضوعاته؛ ثم اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل الإنترنت والخدمات الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والمدن الذكية والنقل الذكي، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
وعلى مدار هذه الرحلة، لم تعد قيمة المعرض محصورة في مساحة العرض أو عدد الشركات، بل امتدت إلى ما يتيحه من لقاءات مهنية، وإطلاقات تقنية، ومناقشات حول مستقبل الصناعة. وقد أشار كمال في حوار سابق عام 2021 إلى أن المعرض استمر عبر سنوات متعاقبة، حتى خلال فترات صعبة مرت بها البلاد، معتبرًا الاستمرارية إحدى المحطات المهمة في تاريخه.
2025.. أرقام تمهد لمحطة الثلاثين
جاءت الدورة التاسعة والعشرون في عام 2025 تحت شعار «AI Everywhere»، وسجلت، وفق البيانات الرسمية للمعرض، حضور 161,280 زائرًا وأكثر من 580 شركة عارضة، لتصبح من أكبر دوراته من حيث المشاركة والحضور. كما شهدت مشاركة مسؤولين حكوميين وقيادات من قطاعات متعددة، في مؤشر إلى اتساع نطاق الموضوعات التي باتت ترتبط بالتكنولوجيا.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التحول الذي شهدته المنصة منذ انطلاقها بمساحة عرض بلغت نحو 2,500 متر مربع عام 1996، وفق تصريحات كمال المنشورة عام 2021، إلى أن أصبحت اليوم تجمعًا واسعًا للشركات والمؤسسات والخبراء.
2026.. من الذكاء الاصطناعي في كل مكان إلى الذكاء الاصطناعي في التطبيق
واليوم وفي الفترة من 7 إلى 10 نوفمبر 2026، يحتفل Cairo ICT بدورته الثلاثين في مركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة الجديدة، تحت شعار «AI in Action»، الذي يركز على الانتقال من الحديث عن إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقاته العملية وتأثيره في الأعمال والخدمات والاقتصاد.
وتضم المنصة في هذه الدورة Cairo ICT إلى جانب PAFIX وAIDC² Expo وConnecta وInnovation Arena، بما يعكس اتساع نطاقها ليشمل التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، والشباب والمواهب، والشركات الناشئة.
وبذلك تأتي النسخة الثلاثون بوصفها محطة للاحتفاء بالاستمرارية، لكنها أيضًا اختبار لقدرة المعرض على مواصلة التطور مع سوق تتغير أولوياتها بسرعة، وتنتقل فيها التكنولوجيا من كونها أداة مساعدة إلى عنصر أساسي في تنافسية الشركات وتطوير الخدمات.
من 2,500 إلى 55 ألف متر مربع.. ثلاثة عقود من التوسع
تكشف الأرقام عن جانب مهم من رحلة أسامة كمال مع Cairo ICT. فالمعرض الذي انطلق عام 1996 على مساحة بلغت 2,500 متر مربع، وصل في دورة 2025 إلى مساحة عرض معلنة بلغت 55 ألف متر مربع، أي ما يعادل 22 ضعف مساحة البداية.
وعلى مستوى المشاركة، فقد استضافت الدورة الأولى أكثر من 110 عارضين، بينما تجاوز عدد الشركات العارضة 580 شركة في دورة 2025، التي سجلت أيضًا 161,280 زائرًا وفق البيانات المنشورة للمعرض.
أما في عامه الثلاثين، فيتجه Cairo ICT إلى نموذج أكثر اتساعًا، مع خمس منصات متزامنة تشمل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، والشباب والمواهب، والشركات الناشئة.
أسامة كمال.. ما وراء المعرض
تقدم تجربة أسامة كمال نموذجًا لمسار مهني يجمع بين الإعلام وريادة الأعمال وتنظيم الفعاليات. فمن العمل في ماسبيرو إلى بناء مشروع متخصص في التكنولوجيا، ظل الخيط المشترك هو البحث عن مساحة تربط بين الأفكار والناس، وبين ما يحدث في الصناعة وما يحتاج الجمهور إلى معرفته وفهمه.
أما Cairo ICT، فقد أصبح خلال ثلاثين عامًا أكثر من موعد سنوي في أجندة الشركات؛ إذ تطور بالتوازي مع سوق الاتصالات والتكنولوجيا في مصر، واتسعت موضوعاته مع دخول التكنولوجيا إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة.
وفي محطة 2026، لا يقتصر السؤال على ما حققه المعرض خلال العقود الثلاثة الماضية، بل يمتد إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه في المرحلة المقبلة: كيف تتحول التقنيات الجديدة إلى تطبيقات حقيقية؟ وكيف تترجم الاستثمارات الرقمية إلى قيمة اقتصادية؟ وكيف تتحول المنصة من مساحة لعرض التكنولوجيا إلى مساحة تلتقي فيها الصناعة مع المستقبل؟











