
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقريراً جديداً بعنوان “الأطفال الرقميون” تناول فيه تأثير التحولات التكنولوجية على أنماط الطفولة، كما استعرض سبل بناء بيئة رقمية آمنة للأطفال، وأبرز الأطر والتجارب الدولية في هذا المجال، بالإضافة إلى المبادرات والجهود المصرية لبناء القدرات ومواجهة المخاطر الرقمية.
وأشار مركز المعلومات إلى أن الطفولة في القرن الحادي والعشرين لم تعُد تُصاغ داخل حدود المنزل أو المدرسة فقط، بل باتت تتشكل أيضاً على نحو متزايد داخل فضاءات رقمية مفتوحة وعابرة للحدود، فالهاتف الذكي ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت جميعها عناصر يومية في حياة الأطفال، تُسهم في بناء وعيهم، وتوجيه اهتماماتهم، وإعادة تعريف مفاهيم الصداقة والتعلم والهوية والانتماء لديهم.
وأشار التقرير إلى ظهور مسمى “الأطفال الرقميون” لوصف الأطفال الذين تتشكل خبراتهم اليومية وهوياتهم وأنماط تعلمهم وتفاعلهم الاجتماعي داخل بيئة تعتمد على تقنيات المعلومات والاتصالات. ولا يمثل هؤلاء فئة متجانسة، بل يندرجون ضمن طيف رقمي متدرج؛ يبدأ من الأطفال أو الشباب المستبعدين رقميًا الذين يعانون من ضعف أو انقطاع الاتصال بالبيئة الرقمية، وصولًا إلى الأطفال أو الشباب المنغمسين رقميًا الذين يمتلكون إمكانية الوصول إلى نطاق واسع من الأدوات والمنصات والخدمات الرقمية، ولديهم القدرة على استخدامها بفاعلية لدعم تعلمهم وصحتهم ورفاههم ومشاركتهم المجتمعية.
وعلى مدى العقدين الماضيين، شهد توافر الإنترنت المنزلي للأطفال ارتفاعًا ملحوظًا في العديد من مناطق العالم، فوفقاً لتقرير “حقائق وأرقام 2025” الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات- ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت عالمياً بأكثر من 240 مليون مستخدم خلال عام2025، ليصل إلى نحو 6 مليار شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان العالم يستخدمون الإنترنت في عام 2025، مقارنةً بنحو 5.8 مليارات في عام 2024.
وفي هذا الإطار؛ تتيح التكنولوجيا الرقمية للأطفال العديد من المزايا التي تعزز تنمية مهاراتهم المعرفية والاجتماعية. ومن أبرز هذه المزايا ما يلي:
-التطبيقات والبرامج التعليمية والتي تساعد على تعلم المفاهيم الأساسية مثل الأشكال والكلمات الجديدة.
-تحسين مهارات التواصل من خلال العمل المشترك على مشروعات عبر الإنترنت،
-تطوير المهارات الرقمية والتي تُمكنهم من التعرف على مفاهيم مثل البرمجة والترميز “كودينج” ومحو الأمية الرقمية.
-تحفيز الإبداع والابتكار عبر إتاحة مساحة للأطفال للتعبير عن إبداعهم وتطوير أفكار جديدة.
-الإعداد لسوق العمل المستقبلي من خلال تنمية مهارات المرونة.
ورغم هذه المزايا، فإنها في المقابل قد تفتح الباب أمام طيف واسع من المخاطر أبرزها:
-مخاطر المحتوى الرقمي: والتي تتمثل في تعرضه لمحتوى غير لائق، إلى جانب احتمالات إدمان بعض المواقع والألعاب.
-مخاطر الاتصال والابتزاز: والتي تتمثل في تواصل الأطفال مع أشخاص مجهولين أو عبر منصات ومواقع غير آمنة.
-مخاطر السلوك والتنمر الإلكتروني: والذي يتجسد في قيام بعض الأشخاص باستغلال الأطفال من خلال تقديم محتوى غير لائق، سواء بهدف الاتجار بالأطفال أو تحقيق مكاسب شخصية.
-التأثير في الصحة الجسدية للأطفال: حيث يُشكل الإفراط في استخدام التكنولوجيا خطرًا متزايدًا يهدد الصحة الجسدية للأطفال، إذ يسهم في الحد من النشاط البدني ورفع احتمالات الإصابة بالأمراض.
-مخاطر تتعلق بالخصوصية: وذلك في ظل سهولة جمع البيانات وتداولها، وما يصاحب ذلك من مخاطر تسريب المعلومات أو بيعها أو إساءة استخدامها.
-المخاطر النفسية والعاطفية: حيث يمكن أن يترك التفاعل المبكر والمكثف مع أنظمة الذكاء الاصطناعي آثارًا نفسية وعاطفية ملموسة على الأطفال.
كما أبرز التقرير حجم الانتهاكات ضد الأطفال في الفضاء الرقمي خلال عام 2025، حيث تم رصد 3440 مقطع فيديو لإساءة جنسية للأطفال تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى 312030 بلاغا تتضمن صوراً أو مقاطع فيديو لانتهاكات جنسية على الأطفال، وتشير التقديرات إلى أن نحو 300 مليون طفل حول العالم يتعرضون لشكل واحد على الأقل من أشكال الاستغلال أو الإساءة الجنسية عبر الفضاء الرقمي سنوياً.
وتؤكد هذه المؤشرات أن البيئة الرقمية، رغم ما تتيحه من فرص، أصبحت تمثل مجالًا عالي الخطورة على الأطفال، في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، وصعوبة ضبط المحتوى، وتسارع أنماط الاستغلال الرقمي، الأمر الذي يستدعي سياسات حماية أكثر صرامة، واستجابات مؤسسية عابرة للحدود.
أشار التقرير أنه في ظل التحول الرقمي المتسارع، طور المجتمع الدولي مجموعة من الأطر والمعايير المرجعية لضمان تمكين الأطفال من الاستفادة من التكنولوجيا، مع حمايتهم من مخاطرها المتزايدة، ومن ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والمبادئ التوجيهية للاتحاد الدولي للاتصالات لحماية الأطفال على الإنترنت، وتقييم أثر حقوق الطفل في البيئة الرقمية “اليونيسف”، وتوصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن سلامة الأطفال الرقمية والتي تستهدف تطوير سياسات متكاملة لحماية الأطفال عبر الإنترنت.
واستعرض التقرير أبرز التجارب الدولية الرائدة في الحماية الرقمية للأطفال ومنها: تجربة الاتحاد الأوروبي والذي ركز على تعزيز الكفاءات الرقمية والمواطنة الرقمية للأطفال، مع مراعاة الأبعاد النفسية والسلوكية للاستخدام الرقمي، بينما تجربة الولايات المتحدة وفّرت حماية قانونية قوية للخصوصية، وأنظمة وطنية لمكافحة الاستغلال، إلى جانب برامج توعوية وتفاعلية للأطفال. كما جمعت المملكة المتحدة بين التصميم الملائم للعمر، وضبط الخصوصية، ومراقبة المحتوى، لضمان بيئة رقمية آمنة ومرنة، بينما اعتمدت تجربة أستراليا نموذجًا متكاملًا يجمع بين التشريع، التوعية، التعليم الرقمي، والشراكات مع المجتمع المدني والشرطة، مع مراعاة العمر والمراحل التعليمية المختلفة.
وفيما يتعلق بالدولة المصرية؛ أوضح التقرير أنها تبنت العديد من المبادرات والجهود الوطنية التي تستهدف تعزيز الحماية الرقمية وبناء القدرات. وتتمثل هذه المبادرات في:
1-مبادرة “براعم مصر الرقمية”: والتي أطلقتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتستهدف تنمية مهارات تكنولوجيا المعلومات لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية من الصف الرابع حتى السادس، بمختلف المدارس في جميع محافظات الجمهورية. -2- مبادرة “أشبال مصر الرقمية”: والتي تستهدف تنمية وصقل مهارات تكنولوجيا المعلومات لدى الطلاب المتفوقين من الصف الأول الإعدادي حتى الصف الثاني الثانوي، وذلك في إطار إعداد جيل قادر على استشراف آفاق جديدة في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا ودعم الرؤية الرقمية لمصر. -3- مسابقة “صيفك رقمي”: والتي أطلقتها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بالتعاون مع صندوق تطوير التعليم، والتي تستهدف طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، لتطوير مهارات الطلاب التكنولوجية والاجتماعية من خلال حزمة من المقررات الرقمية التي تؤهل للحصول على رخص دولية في مجالات، مثل؛ فني شبكات وفني أمن سيبراني، وذلك بالتعاون مع شركة “سيسكو” العالمية. -4- التعاون مع المؤسسات الدولية لتعزيز المهارات التكنولوجية للأطفال: حيث أطلقت مصر مبادرة بالشراكة بين وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني واليونيسف ومؤسسة أكيليوس، بهدف تنمية مهارات القراءة والتعلم الرقمي لدى الأطفال الأكثر احتياجًا.
كما تناول التقرير جهود الدولة المصرية في التصدي لمخاطر التكنولوجيا على الأطفال والتي تشمل؛ وضع إطار تنظيمي لحماية الأطفال من مخاطر محتوى الفضاء الرقمي، والعمل على إعداد تشريع لحماية الأطفال على الإنترنت، وإطلاق حملة “أماني دوت كوم” والتي أطلقت تحت رعاية المجلس القومي للطفولة والأمومة، وبالتعاون مع اليونيسف، وبدعم تمويلي من الاتحاد الأوروبي، بهدف حماية الفتيات والأطفال من أشكال العنف عبر الإنترنت، مبادرات المجلس القومي للطفولة والأمومة.









