أحمد السبكي يكتب لـICTBusiness:حين تهرب الأموال الساخنة… هل تنقذ “العقول الرقمية” الاقتصاد المصري؟
تعتبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الصناعات المستقرة نسبيا حيث أنها تعتمد أساسا على توافر الموارد البشرية المدربة بكفاءة وعلى توافر البنية التحتية القومية المستقرة والموزعة بعدالة وكفاءة في كافة أنحاء الدولة، كما أنها لا تعتمد على مواد خام تتطلب سلاسل إمداد من مناطق الإنتاج المختلفة إلى مناطق التصنيع، وهي بذلك لا تتأثر بالتغيرات الجيوسياسية التي تحدث عالميا، كما أنها ليست كثيفة لرأس المال. وهي بذلك يمكن أن تلعب دورًا فعّالًا كـ”حائط صد” أمام تقلبات الأسواق المالية وخروج الأموال الساخنة.
الفكرة الأساسية أن هذه الصناعة تختلف جذريًا عن التدفقات المالية قصيرة الأجل، سواء في طبيعتها أو في تأثيرها على الاقتصاد الكلي. ويعتبر التعهيد من أنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ذات القدرة على تحقيق عوائد سريعة نسبيا من النقد الأجنبي وفي نفس الوقت مستمرة لفترات طويلة لكن بشرط أن يتم بناؤها بشكل استراتيجي وممنهج.
إن الأموال الساخنة هي رؤوس أموال قصيرة الأجل تنتقل بسرعة بين الدول بحثًا عن أعلى عائد ممكن مثل أسعار الفائدة المرتفعة أو المضاربة على العملات والأسهم، وهي تتميز بأنها سريعة الدخول وتخرج بنفس السرعة من الأسواق المالية عند ظهور مخاطر، وبالتالي يمكن أن تسبب تقلبات حادة في الاقتصاد، خاصة في سعر الصرف والاحتياطي النقدي، وتراجع في قيمة العملة المحلية، وارتفاع التضخم، واضطراب الأسواق المالية (بورصة / سندات)، وضغط على السيولة داخل النظام المصرفي. وبالرغم من أن الاقتصاد المصري قد شهد مرحلة من الاستقرار النسبي خلال السنوات الثلاث الماضية، لكنه كان شديد الحساسية لخروج الأموال الساخنة والتي قُدرت في نهاية 2025 بما يقرب من 45 مليار دولار أمريكي. وخلال الربع الأول من عام 2026، والذي شهد صدمة جيوسياسية بسبب الحرب في منطقة الخليج العربي أدت إلى خروج مبلغ يُقدر 5-8 مليار دولار منهم حوالي 3.7 مليار بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران (طبقا للتقارير العالمية)، وبسبب عدم الاستقرار العالمي والمخاطر العالية في المنطقة بسبب الأوضاع الجيوسياسية الحالية أصبح حجم الأموال الساخنة الحالي في الربع الثاني من عام 2026 ما يقرب من 28 مليار دولار، وهو وضع يمكن إعتباره أكثر أمانا للاقتصاد المصري من الوضع في نهاية عام 2025
أما التعهيد فهو نشاط اقتصادي مستقر وهو حاليا جزء أساسي من صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر ودول أخرى كثيرة، وهو يعني نقل تنفيذ خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الرقمية إلى جهة متخصصة خارج الجهة طالبة الخدمة سواء في نفس الدولة (Onshore) أو في دولة أخرى (Offshore / Nearshore). وتشمل عمليات التعهيد في مجال تكنوولوجيا المعلومات والاتصالات عدد من الأنواع، أولها وأقلها قيمة مضافة هو تعهيد العمليات التجارية التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات (BPO)، وهي تشمل مراكز الاتصال (Call Centers)، وخدمة العملاء، وإدخال البيانات، ومعالجة المعاملات، والدعم الفني. ويأتي تعهيد خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITO) في المرتبة التالية من حيث القيمة المضافة الأعلى من تعهيد العمليات التجارية. ويشمل تعهيد خدمات تكنولوجيا المعلومات تطوير البرمجيات، وإدارة البنية التحتية وخدمات الحوسبة السحابية والأمن السيبراني. ويعتبر تعهيد المعرفة (KPO) هو الأكثر تقدما والأعلى قيمة مضافة، ويشمل تطوير المنتجات التكنولوجية المتقدمة، والخدمات الهندسية والتصميم، وتحليل البيانات وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة.
ويعتبر قطاع التعهيد الأكثر استقرارا لعدم حساسيته الشديدة للأوضاع الجيوسياسية في العالم أو إقليميا، ويعتمد إعتمادا قويا على الاستقرار والأمان الذي تتمتع به مصر كدولة بغض النظر عن الأوضاع الإقليمية أو العالمية.
ويعتبر العائد من كل فرد يعمل في كل قطاع من قطاعات التعهيد المختلفة هو الأساس لحساب قيمة العوائد في هذا القطاع. فعلى سبيل المثال فإن العائد من الفرد الواحد سنويا العامل في قطاع تعهيد العمليات التجارية (BPO) في حدود 25-30 ألف دولار، في حين أن العائد من الفرد الواحد العامل في قطاع تعهيد خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITO) في حدود 50-60 ألف دولار، أما العائد من الفرد الواحد العامل في قطاع تعهيد المعرفة (KPO) في حدود 100-150 ألف دولار.
وقد مر قطاع التعهيد في مصر بعدد من المراحل منذ أن بدأت مصر في هذه الصناعة عام 2007، فكانت السنوات من 2007 حتى 2010 هي مرحلة البداية والنمو والتي كانت فيها الإيرادات في حدود 700 مليون دولار سنويا. ثم مر القطاع بمرحلة تراجع بسبب فترة عدم الاستقرار من 2011 وحتى 2013 والتي حقق القطاع عائدات قُدرت 600-800 مليون دولار والتي وإن كانت مرتقعة عن مرحلة البداية إلا إنها لم تتناسب مع التوقعات والتنبؤات الموضوعة مسبقا. ثم أتت مرحلة التعافي خلال الفترة 2014 إلى 2018 وكانت العائدات السنوية تقترب من 3 مليار دولار في المتوسط سنويا، وحاليا تمر مصر بمرحلة الانطلاق التي بدأت من عام 2020 حتى الآن والتي بلغ متوسط العائدات السنوية فيها في حدود 4 مليار دولار سنويا.
ومن المتوقع مع استمرار مرحلة الانطلاق التي بدأت عام 2020 أن يزيد متوسط الإيرادات السنوية إلى أكثر من 5 مليار دولار، وعلى هذا فإنه من المتوقع أن يحقق قطاع التعهيد بالزيادة الطبيعية للوضع الحالي ما بين 20 مليار إلى 30 مليار كعائد إجمالي خلال الثلاث إلى الخمس سنوات القادمة وهوعائد يساوي الإجمالي الحالي للأموال الساخنة.
ويمكن في حالة تطوير قطاع التعهيد من خلال التركيز على الخدمات ذات القيمة المًضافة الأعلى، أن تزيد العائدات السابقة بطريقة غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال في قطاع تعهيد العمليات التجارية التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات (BPO)، يمكن التركيز على تعهيد خدمات معالجة البيانات مثل البيانات المالية وبيانات الموارد البشرية والبيانات الصحية الخاصة بدول الإتحاد الأوربي بعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون رقم 151 لسنة 2020 والخاص بحماية البيانات الشخصية والتي صدرت أخيرا في نوفمبر 2025. أما في مجال تعهيد خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITO)، فيمكن التركيز على خدمات إدارة البنية التحتية، والأمن السيبراني وأيضا خدمات الحوسبة السحابية من خلال التوسع في إنشاء مراكز البيانات العالمية باستغلال الموقع الجغرافي المتميز لمصر وحالة الاستقرار والأمن التي تتمتع بها مصر وبعدها عن بؤر الصراع الإقليمي. كما يمكن أيضا استغلال نتائج المبادرات التي تم إطلاقها في السنوات السابقة المجالات والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي لزيادة أعداد العاملين في قطاع تعهيد المعرفة (KPO). إن التركيز على الخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى يمكن أن يؤدي إلى زيادة متوسط العائد السنوي إلى ما يقرب من 12 مليار دولار سنويا.
ولكي تضمن الدولة عوائد التعهيد وخاصة بالعملات الأجنبية، يجب أن يكون لدينا استراتيجية واضحة للحفاظ على الشركات التي تعمل في مجال التعهيد بجميع تخصصاته سواء مصرية أو أجنبية وجذب مزيد من الشركات، على أن تتضمن هذه الاستراتيجية الحوافز الاستثمارية التي ستقدمها الدولة والتي تنافس الحوافز المُقدمة من الدول المنافسة لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال. كما يجب أيضا على الدولة أن تقوم بتعديل المناهج التعليمية حتى تتواكب مؤهلات الخريجيين من التخصصات المختلفة مع متطلبات السوق العالمي في المجالات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخاصة في المجالات المرتبطة بالتعهيد ذو القيمة المضافة العالية، مع زيادة أعداد المتدربين سواء في برامج التدريب التحويلي إلى التخصصات التي يطلبها قطاع التعهيد، أو التدريب التخصصي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كما كان يحدث سابقا حتى يكون هناك وفرة من الموارد البشرية المتاحة لهذه الصناعة الواعدة، وأخيرا وليس أخرا التركيز على تنمية وتطوير الشركات المصرية العاملة في مجال التعهيد بكافة تخصصاته وتحسين المناخ البيئي الذي تعمل فيه الشركات وعدم التركيز على زيادة أعداد العاملين المهنيين المستقلين (Free Lancers) ولكن التركيز على زيادة الشركات ورفع كفائتها.
ويواجه التعهيد في مصر بكافة أنواعه عدد من التحديات أهمها ما يلي:
• عدم توافر الموارد البشرية المؤهلة بكفاءة عالية وبأعداد كبيرة الذي قد يعتبر أهم تحدي يمكن أن يعوق تحول التعهيد في مصر إلى مصدر رئيسي ومستدام للعملات الأجنبية، حيث أنه صناعة كثيفة للعامل البشري.
• عدم توافر البيئة التشريعية والحوافز الاستثمارية التي تجذب مزيد من الشركات الأجنبية أو تساعد الشركات المصرية على التوسع في تقديم خدمات التعهيد للخارج وخاصة الخدمات ذات القيمة المضافة العالية من أهم التحديات التي تواجه التوسع في التعهيد في مصر.
• عدم تناسب البنية التحتية الرقمية مع متطلبات الشركات العاملة في هذا المجال وأيضا زيادة تكلفتها مما يُعيق نمو التعهيد على نطاق واسع.
• عدم الاهتمام بتطوير وبناء قدرات الشركات العاملة في القطاع (كشركات وليس كموارد بشرية) وخاصة المصرية منها، وتركيز الاهتمام الخمس سنوات السابقة على زيادة أعداد العاملين المستقلين (Free Lancers) والذين لا يحققون القيمة المضافة الحقيقية المطلوبة في المجتمع ولا يساهمون في زيادة الدخل القومي ولا في زيادة المنتجات الفكرية وحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع المسجلة باسم مصر.
• العوائق البيروقراطية التي قد تواجهها الشركات العاملة في هذا المجال فيما يتعلق بإدخال بعض المسلتزمات والمكونات المستخدمة في إدائها لأعمالها، وأيضا العوائق الخاصة بالتعامل مع العمالة في هذا القطاع حيث يرتفع معدل دوران العمالة في هذا القطاع وخاصة في تعهيد الأعمال التجارية (BPO)، وايضا العوامل الثقافية التي تحد من إنجذاب الخريجين للعمل في قطاع تعهيد الأعمال التجارية.
وللتغلب على التحديات السابقة، تحتاج الدولة لتنفيذ مزيد من التطوير والاتاحة فيما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية الحالية حتى تتواكب مع المستويات القياسية (Standards) للبُنى التحتية في الدول المتقدمة، كما تحتاج إلى نشر مزيد من مُجمعات الأعمال (Business Parks) ببنية تحتية متقدمة ومراكز بيانات وحوسبة سحابية ووسائل اتصالات متعددة (إلياف ضوئية، اتصال من خلال شبكات المحمول، وصلات ميكروويف … إلخ) وخاصة في المحافظات التي لديها فائض في الخريجين وفي نفس الوقت نقص في الوظائف المُتاحة.
كما تحتاج الدولة إلى العودة إلى دورها الأساسي في تنمية وتطوير الشركات العاملة في هذا المجال من خلال برامج بناء القدرات وتأهيل الإدارة، وبرامج التوافق مع المواصفات القياسية العالمية وأيضا التوافق مع المتطلبات العالمية الخاصة بحماية البيانات الخاصة وغيرها من قواعد الامتثال للقواعد التنظيمية العالمية أو الإقليمية.
كما تحتاج الدولة أن تولي عناية خاصة لتطوير البنية التشريعية وخاصة في المجالات المتعلقة بالاستثمار وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي وإن كانت قد تطورت كثيرا خلال العشر سنوات الماضية، إلا إنها تحتاج مزيد من التطوير، وتحتاج التشريعات الحالية للمراجعة المستمرة حتى تتواكب مع التقدم المذهل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما أن اللوائح التنفيذية المختلفة وخاصة فيما يتعلق بالتصريح باستخدام التكنولوجيات المتقدمة مثل إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية وأيضا القواعد المنظمة لاستيراد المكونات الإلكترونية وبعض قواعد الجمارك الخاصة بدخول أجهزة أو مكونات مُنتجات مازلت في مرحلة التطوير لإجراء تجارب عليها أو لتصميم البرامج الخاصة بها (خاصة البرامج المدمجة الخاصة بصناعة المركبات أو الصناعات المتقدمة) تحتاج إلى تعديلات جذرية تساعد على جذب مزيد من الشركات العالمية العاملة في مثل هذه المجالات إلى العمل في مصر، على أن نأخذ في الاعتبار التشريعات والقواعد المُنظمة المماثلة في الدول المنافسة أو الدول المشابهة لمصر في بيئة الأعمال.
وفي الختام، أود أن أركز على أن معدل نمو قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر ولفترة العشر سنوات السابقة هو الأعلى بين العديد من القطاعات التي تُعتبر من المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية مثل قطاعي السياحة وإيرادات قناة السويس، فمعدل النمو المستقر في القطاع ككل بين 14.5% و14.7% سنويا. أما قطاع السياحة فمعدل نموه السنوي في حدود 13.8% سنويا وقد يرتفع إلى 23% في بعض الفترات، ولكنها نسب غير مستقرة وحساسة للأوضاع العالمية سياسيا، أما قناة السويس فمعدل النمو في حدود 9% ويعيبها الحساسية الشديدة للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، لذلك فإن إيلاء العناية الكافية لهذا القطاع الحيوي سوف يؤدي وبكل تأكيد إلى المساهمة بالقدر الكافي في تحصين الدولة ضد التقلبات الاقتصادية وتقلبات الأسواق المالية العالمية ويساعد الدولة على زيادة مواردها من العملات الأجنبية بصورة مطردة.
بقلم/أحمد السبكي
إستشاري التحول الرقمي
النائب الأسبق لرئيس إتيدا








