
ستة وعشرون عامًا مرت منذ دخلت للمرة الأولى إلى أروقة Cairo ICT بأرض المعارض بمدينة نصر، وأنا في مقتبل العمر الصحفي، لم أتجاوز الثانية والعشرين من عمري، أتعلم يومًا بعد يوم كيف أقترب من الخبر، وكيف أصنع من اللقاء العابر معلومة، ومن الحوار قصة، ومن الحدث مساحة لفهم ما يجري خلف الكواليس.
أتذكر جيدًا سنواتي الأولى في جريدة «العالم اليوم»، التي مازلت أنتمي إليها، حين كان الذهاب إلى المعرض بالنسبة لنا أشبه بالعيد الكبير. كنا نذهب «نغدو خماصًا ونعود بطانًا» من كثافة الأخبار التي نحصل عليها خلال ساعات قليلة. لم يكن الأمر مجرد معرض لعرض أحدث المنتجات والتقنيات؛ كان موعدًا سنويًا نلتقي فيه قيادات القطاع، ونتجاذب أطراف الحديث، ونستمع إلى رؤى المسؤولين ورجال الأعمال، ونحاول أن نفهم إلى أين تتجه صناعة كانت وقتها لا تزال تبحث عن موقعها الحقيقي في الاقتصاد المصري.
وبالنسبة لي، كشاب لم يكن قد أتم عامه الثاني والعشرين، كان مجرد رؤية أسماء كبيرة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رأي العين أمرًا جللًا. كنت أراقب، أستمع، أسأل، وأتعلم. ومن بين الوجوه التي ارتبطت في ذاكرتي بهذه التجربة الإعلامي والصديق أسامة كمال، الذي لم يكن يدير حدثًا فقط، وإنما كان يبني تدريجيًا منصة تجمع أطراف صناعة تتشكل أمام أعيننا.
هذا الزخم كان أحد الأسباب التي جعلتني أحرص عامًا بعد عام على متابعة Cairo ICT، وإجراء الحوارات والتحقيقات، والبحث عن الأخبار الحصرية، ليس لأن المعرض كان مصدرًا للأخبار فحسب، وإنما لأنه كان نافذة نرى من خلالها مستقبل قطاع الاتصالات والتكنولوجيا في مصر.
واللافت في قصة Cairo ICT أن بدايته لم تأتِ من مؤسسة حكومية ضخمة، ولم يستند في بقائه ونموه إلى مظلة مؤسسية تقليدية؛ بل بدأ كفكرة يقودها عدد محدود من الأشخاص، ثم ظل «يعافر» ويكبر عامًا بعد آخر، حتى تحول من معرض إلى موعد تنتظره الصناعة، ومن منصة للعرض إلى مساحة لصناعة النقاش وتحديد اتجاهات السوق.
ومع مرور السنوات، وتزايد الدعم الرئاسي الذي حظي به المعرض، تغيرت مكانته بصورة جوهرية. لم يعد Cairo ICT مجرد حدث سنوي، بل أصبح عنوانًا رئيسيًا لما يجري في قطاع التكنولوجيا المصري، وبات نقطة التقاء للقيادات المصرية والعالمية، وبوصلة يسترشد بها كثير من رؤساء الشركات وصناع القرار في قراءة السوق المصري وفرصه واتجاهاته.
اليوم، وأنا أستعد لمتابعة الدورة الثلاثين، أجدني لا أرى مجرد رقم «30» على لافتة معرض؛ بل أرى 26 عامًا من الذاكرة المهنية، ومئات الحوارات، وآلاف الأخبار، وأجيالًا تعاقبت على القطاع، وصناعة كاملة انتقلت من بدايات الاتصالات والإنترنت إلى عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والسيادة الرقمية.
ربما لهذا السبب تحديدًا يظل Cairo ICT بالنسبة لي أكثر من معرض.. إنه جزء من تاريخي الصحفي، وجزء من تاريخ صناعة شهدت تحولها عامًا بعد عام، وكنت محظوظًا بأن أراها من الصفوف الأولى.











